السيد محمد تقي المدرسي

243

من هدى القرآن

الدنيا ليست دائمة ، كما أن معرفته تعطيه معرفة أعمق بالحياة ذاتها ، إذ يرى أنها قصيرة ، أنها جسر إلى الحيوان الحقيقي في الدار الآخرة . ونفس هذه الحقيقة نجد تذكيراً بها في كتاب الله ، الذي يخسر من أعرض عنه إذ يفقد البصيرة في الدنيا والبصر في الآخرة ، كما تتحول ذنوبه وأخطاؤه إلى أثقال يحملها يوم القيامة ذلك اليوم الرهيب ، الذي تخشع فيه أصوات الخلائق لربها ، ونرى الناس يبحثون عمن ينقذهم من عذاب النار ، وليس ثمة شفاعة بدون إذن الله . فمن أجل ألَّا نتورط بحمل هذه الأثقال علينا : أن نعود إلى التاريخ فنعتبر ، وإلى القرآن فنتذكر . بينات من الآيات : [ 99 ] كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً البشر إنما يضل سواء السبيل حين يغفل ويخرج عن تمام وعيه ، وإنما ابتليت الأمم بمختلف النكسات بسبب الغفلة ، والنسيان ، ولكي يعي الإنسان واقعه ومستقبله لديه وسيلتان : الأولى : النظر في التاريخ برؤية وتفكر ، فالتأريخ هو ذلك المصباح الذي يضيء للعقلاء درب المستقبل ، والتأريخ هو ذلك المعهد التجريبي الذي يتخرج من أروقته أفضل العلماء ، والتأريخ هو ذلك الناصح الأمين الذي يوقظ فطرة الخير في ضمير النابهين . إنه الذكر الذي يتجلى في آيات القرآن حين تبيَّن لنا سنن الله فيما مضى ، وكيف سعد من سعد من الأمم ، وكيف شقي من شقي منهم ، يقول الإمام أمير المؤمنين ، وهو يبين لولده الحسن المجتبى عليه السلام أهمية التجارب التأريخية : [ أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي وإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، ونَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ ] « 1 » . وحين ننظر إلى التاريخ ، علينا أن نعتبر بالجوهر ، ومن الخطأ أن نعلق بكل لتفاصيل والجزئيات . الثانية : القرآن ، وسمي بالذكر ، لأنه ينبه المؤمنين من نومه الغافلين ، فيوقض الضمير ،

--> ( 1 ) نهج البلاغة : رسالة : 31 .