السيد محمد تقي المدرسي

221

من هدى القرآن

وخرّوا لربه وربهم ساجدين . وإن لنا في ذلك لعبرة ، فحينما تكون لدينا الحقيقة ، ولا يكون عندهم إلا الخيال الباطل سترى كيف ، تبتلع الحقيقة سحرهم . وحينما سجد السحرة وآمنوا ، حاول فرعون إلصاق التهم بهم ، ليكون ذلك مبرراً لتعذيبهم أو قتلهم ، ولكنهم أصروا وصمدوا أمام التهديد ، بصلابة الإيمان وبالاستعانة بالله . بينات من الآيات : [ 65 ] قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى هل أنت تبدأ أم نحن ؟ . [ 66 ] فطلب موسى منهم أن يكونوا هم البادئين وكان ذلك تحدياً عظيماً . قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى أي إنهم عملوا عملًا أثاروا به خيال موسى عليه السلام ، وبالأ ولى أثاروا خيال المحتشدين ! . ولعلَّ هذا يعني : أن السحر تأثير نفسي في الإنسان من خلال إثارة خياله والإيحاء له ، أما هدفه فهو التضليل ، وعاقبته الخسران ، وأول ما يفكر به السحرة ، هو السيطرة على الجالسين نفسياً ، بالقيام ببعض الحركات المثيرة ، وبعد أن يستحوذوا على أنفس الحاضرين - بسرد القصص الخيالية ، وصنع أجواء صاخبة - يضحى كل عمل يقومون به عظيماً ، يثير العجب والدهشة في أنفس الناس . كما أن بعضهم يستفيد من الجن ، بالإضافة إلى بعض العلوم الغريبة ، والسحرة مجموعة مرتزقة ، وضعوا علمهم في خدمة شهواتهم ، أو لدعم سلطة ظالمة ، شأنهم شأن الأقلام المأجورة التي توظف نفسها عند الظلمة . هذا هو واقع السحر ، إنه تخيلات لا تصمد أمام الحق ، ومن كلمتي : حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ نستنتج أن السحر ليس إلا تأثيرات نفسية لا يغير من الواقع شيئاً ، والتعبير القرآني غاية في الوضوح حيث يقول : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فهي في الحقيقة لا حراك لها ، وما الحركة الظاهرة إلا بتأثير الخيال السحري . [ 67 ] لقد تحداهم موسى عليه السلام وهو يعرف بأنهم على باطل وأنه على حق ، ومع ذلك تسرب الخوف إلى نفسه حيث قال الله : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى فلماذا خاف موسى ؟ .