السيد محمد تقي المدرسي

212

من هدى القرآن

بلغت غايته ، أما الفرد الذي يشعر بأنه لم يحقق أهدافه ، فإنه يخشع للسبل والوسائل التي تحقق ذلك الهدف . [ 44 ] فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى كيف يعالج الطغيان القول اللين ؟ لأن الطغيان حالة استكبار وغرور ، ومعالجة الغرور قد لا يمكن بالعنف ، بل بما ينفذ في الأعماق ، ولا يثير دفائن الكبر ، ومن هنا كان على الداعية أن يعرف : أن هدفه ليس تحطيم المتكبر ، بل إرشاده ، وبالتالي فعليه ألا يقابل قوة طغيانه القوة مثلها ، بل بسعة الصدر ودماثة الخلق . القول اللين هو الدرس العملي للطاغية ، ليعرف أن طغيانه في غير محله ، القول اللين يأتي ليهدم أساس الطغيان وليعرف صاحب الطغيان بأن هناك طريقاً آخر لتحقيق الأهداف . هناك فكرة أخرى نستلهمها من هذه الآية وهي : أن الطاغية حتى لو بلغ بطغيانه إلى مستوى طغيان فرعون الذي يضرب به المثل ، فهو لا يزال بشراً ، ولا تزال هناك فرصة لهدايته ، لذلك يجب ألّا نيأس من هداية أي بشر . [ 45 ] قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى كان موسى وهارون عليه السلام يخافان على الرسالة قبل أن يخافا على أنفسهما ، حيث كانا يخشيان مبادرة فرعون بقتلهما ، أو تعذيبهما بحيث يقطع عليهما الكلام ، أو يمنع وصول الرسالة إلى الناس ، ولعلَّ هذا هو معنى أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا بمعنى يبادر بالعمل ضدنا . وعلى هذا المعنى فلم يكن خوفهما هنا على أنفسهما ، كما لم يكن خشية موسى في مقام آخر على نفسه ، حيث يقول الإمام علي عليه السلام [ الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ ! عَزَبَ رَأْيُ امْرِئٍ تَخَلَّفَ عَنِّي ! مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى عليه السلام خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ ودُوَلِ الضَّلَالِ ! ] « 1 » ، هذا خوف . والخوف الآخر هو أن يسبب الحديث معه المزيد من الطغيان . هذان درسان لكل داعية ، فعليه أن يحاول إيصال الهداية إلى من يريد ، قبل أن يبادر هو بقطع كلامه ، ويفعل ذلك بحيث لا يزيده طغياناً . ما هو القول اللين ؟ بعض الناس يتصورون بأن القول اللين هو مجرد الخضوع في القول ، ولكن يبدو إن

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 32 ص 236 .