السيد محمد تقي المدرسي

18

من هدى القرآن

أهداف الكتاب وحوافز الهداية وهكذا فإنَّ الكتاب حينما يريد أن يستفيد الناس من الهداية فإنَّه يثير فيهم الحوافز النفسية الملائمة التي تدفعهم إلى الأخذ بها والعمل بمقتضاها . ومن حوافزه : الحافز الأول الإنذار وهو الأبلغ أثراً فالإنسان بطبيعته يخشى الضرر أكثر مما يتوقع المنفعة فلو قيل لك إذا لم تقم بالعمل الفلاني فلن تحصل على مليون دينار ، فأنك لن تتأثر كثيراً ، وأما إذا قيل لك ستخسر مائة دينار إذا فعلت كذا ، فإنَّك تهتم وتجتهد كثيراً لأن تتجنب ذلك الضرر . وهكذا فإنَّ من طبيعة البشر الهروب من الضرر ، أكثر من البحث عن المكاسب والمنافع ، لذلك فان الإنذار يلعب دوراً أساسياً في حياة الإنسان . والكتاب نذير حق بعذاب شديد ينزل من لدن الرب القوي العزيز . الحافز الثاني التبشير حيث يعد الله الإنسان حينما يهتدي بالكتاب ، ويعمل وفق برامجه بالأجر الحسن والنعم الإضافية ، التي هي أعظم من تلك التي بيد الإنسان ، حيث يمكث فيها مخلداً . وهنا نجد إثارة الإحساس هام في البشر وهو حب الخلود والخشية من زوال النعم ، ويستفيد الكتاب من هذا الإحساس وتلك الخشية ليدفع الإنسان إلى تقبل الهداية الإلهية التي تضمن له أن يظلّ ماكثاً في نعم الله أبداً . لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ هناك فرق بين البأس والضر ، إذ الضر قد يأتي من الطبيعة ، أو بسبب المرض ، أو ما أشبه ، بيد أن البأس لا يأتي إلا من جهة عاقلة ، والكتاب ينذر الإنسان ببأس من عند الله ، أي إن الله هو الذي يقدر ويمكر فيعذّب ، وهذا أبلغ في الموعظة . لأن الخطر الذي يأتي من الطبيعة ربما يتمكن الإنسان من تجنبه بطريقة ما ، ولكنَّ سهم العذاب الذي يوجهه الله إليك لا يخطئ هدفه أبدا ، لماذا ؟ لأنَّ إرادة العليم القدير الذي خلق الكون وخلقك وخلق كل شيء هي النافذة حتماً ، فأين المفر من عذاب الله وأين المهرب ؟ وكما جاء في الدعاء : [ وَلا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْ حُكُومَتِكَ ] « 1 » .

--> ( 1 ) مصباح الكفعمي : ص 555 ، دعاء كميل بن زياد رضي الله عنه .