السيد محمد تقي المدرسي

164

من هدى القرآن

إلى أن يجبر هذا الضعف الذاتي بالإيمان بالله ، وبآياته المبثوثة في الكون ، والمنزلة على النبي في الكتاب ، إلا أن الشيطان قد يضله عن هذا السبيل الحق ، ويغويه بالتمسك بالمال والولد بزعم أنهما يغنياه شيئاً ويجبران ضعفه الذاتي ، ولكن هيهات . هل يعلم هذا الإنسان بأنه سيحصل على المال والولد حتى يؤكد ذلك تأكيداً ويقول : لأوتَيَنَّ مَالًا بلام التأكيد ونونه ؟ كلا . . وأبسط دليل على عدم علم الإنسان بالغيب هو أن يحاول كتابة قائمة تفصيلية بما سيعمله غداً ، ثم يحاول في اليوم الثاني بكل جهده أن يعمل كل الأعمال التي كتبها في برنامجه ، ولكنه سيجد نفسه قد فشل في تطبيق كثير من بنوده لأي سبب من الأسباب . . يقول الإمام علي عليه السلام : [ عَرَفْتُ الله سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وحَلِّ الْعُقُودِ ونَقْضِ الْهِمَمِ ] « 1 » . [ 78 ] أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً إن ضمان تطبيق شيء لا يكون إلا عن طريق أمرين : إما العلم بالمستقبل ، وإما قدرة الله ، ولكن الإنسان الذي ليس لديه ضمانة من الله ولا علم له بالمستقبل ، كيف يعتمد على شيء غير موجود . جاء في حديث في سبب نزول الآية ما يلي : عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَداً إن العاص بن وائل بن هشام القرشي ثم السهمي وهو أحد المستهزئين ، وكان للخبّاب بن الأرت على العاص بن وائل حق ، فأتاه يتقاضاه ، فقال له العاص : ألستم تزعمون أن في الجنة الذهب والفضة والحرير ؟ قال : بلى ، قال : فموعد ما بيني وبينك الجنة فوالله ، لأوتين فيها خيراً ممّا أوتيت في الدنيا ، يقول الله عز وجل : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدّاً ( 79 ) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً ( 80 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ( 81 ) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً والضد القرين الذي يقرن به ] « 2 » . [ 79 ] كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وأما ما يحصل عليه عملياً من نعم ومكاسب مادية في الحياة الدنيا ، فمن يضمن أنها ستكون مصدر سعادة له ، بل على العكس من ذلك قد تجرّه إلى تعاسة وعذاب . وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدّاً إن هذه النعم ليست سعادة بالنسبة إليه ، وإنما هو ذنب

--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة 247 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ص 54 .