السيد محمد تقي المدرسي

153

من هدى القرآن

الفاسدة التي تتكاثر في قلبه ، وذلك عن طريق التذكر المستمر . وهكذا يوجهنا القرآن الحكيم في مجال الحديث عن البعث إلى أن نتذكر أبداً ، كيف كنا ؟ وكيف خلقنا ؟ وكما كنا وخلقنا وترعرعنا ، كذلك يعيدنا الله سبحانه مرة أخرى . بينات من الآيات : وعد الرحمن [ 60 ] إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً يبين القرآن في هذا السياق ثلاث مراحل مر بها المجتمع : مرحلة الرواد والقادة وهم الأنبياء عليهم السلام ، ومرحلة الانحراف بعدهم الذي قال عنه ربنا في آية أخرى : * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ [ مريم : 59 ] ، ومن رحم هذا الجيل جاءت طائفة مثلت المرحلة الثالثة ؛ حيث إنهم تحدوا سلبيات هذا الجيل الفاسد وتابوا وأصلحوا ، فهيأ الرب لهم الجنات . [ 61 ] جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إن الجنات لا ترى بالشهود . فالطالب الذي يجسد أمام ناظريه قاعة الامتحان ، والتاجر الذي يتصور يوم خسارته ، والجندي الذي يتخيل في ذهنه ساحة المعركة ، إن هؤلاء أنفع من غيرهم ، وهكذا الحياة كلها والقرآن الحكيم يقول : وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ فالرحمان برحمته الواسعة يريد أن يرحم عباده الذين خلقهم فجعل لهم جنة كبيرة مليئة بالطيبات والنعم ، ولكن بشرط أن يؤمنوا بها بالغيب . إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ما دام ذلك الوعيد هو وعد الله فهو لا ريب آت . [ 62 ] لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلاماً اللغو هو الانحراف مثل السب والفحش ، والجدل ، وكل ما يعكس حالة العداء بين الناس ، ويقابله السّلام ذلك النور الذي يضيء الجنة وإن أول وأهم تجليات السّلام هو سلام القلب حيث يعيش الجميع في ظل رب السّلام يشربون من كأس السلام ، ويسرحون في وادي السلام ، ويسمون إلى أفق السلام ، ولا يبقى غلٌّ في قلوبهم ، ولا طمع ولا حسد ، وإذا التقى بهم خزنة الجنة حيّوهم بالسّلام : ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ ق : 34 ] . وربهم سبحانه يحييهم بالسّلام : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 57 ] .