السيد محمد تقي المدرسي
141
من هدى القرآن
ولاية الشيطان [ 43 ] يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ إن مقياس الطاعة والتقليد هو العلم ، فإذا كنت أنا أعلم منك فلابد أن تكون أنت الذي تطيعني وليس العكس ! . فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً واجه إبراهيم عليه السلام أباه بهذه الشجاعة ، حيث طلب منه أن يتبعه لأنه يمتلك العلم ، وهذه إشارة بأن الاعتبار الأول في القيادة العلم ، وليس شرطاً عمر القائد أو منزلته . [ 44 ] يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً عرض إبراهيم عليه السلام على أبيه في البداية أن لا يعبد الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ، وهنا يقول له : لا تعبد الشيطان ، فالشيطان هنا هو الذي يتجسد لهم على صورة صنم ، أو على شكل وساوس نفسية فيزين لهم عبادة غير الله ، وما دام الشيطان عصياً لله ، فهو - بطبيعة الحال - لا يهدي إلى سبيل الرشاد ، بل يقود الناس على ما هو عليه من العصيان . لماذا وضع الله كلمة الرَّحْمَنِ في مقابل الشيطان ، ولم يضع مثلًا ( الرب ) ؟ ربما لكي يوضِّح حقيقة هامة ، وهي أن الشيطان هو حالة ضد الرحمة ونقيض لها . وعموماً فليس المقصود من عبادتهم الشيطان مجرد عبادة الصنم الذي لا يضرّ ولا ينفع ، بل المقصود أيضاً عبادة الشيطان المتمثل في الطواغيت أو سدنة الأصنام الذين ينتفعون مباشرة من عبادة هؤلاء . [ 45 ] يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً إن الإنسان الذي يريد أن يجمع بين الحق والباطل ، بين الهدى والضلال ، بين الخير والشر ، فإنه سيجد أن الخير والهدى قد تبخرا ولم يبق معه سوى الشر والضلالة ، إذ لا يمكن أن يجتمع عند الإنسان الخير والشر معاً ولابد أن يذهب أحدهما وإذا تمادى البشر في عبادة الشيطان فإنَّ الله يسلب منه ضوء العقل فيصبح ولياً للشيطان إلى الأبد ، وهذا عذاب عظيم يمس الذين يتبعون الشيطان . ولعلَّ الآية تنفي - بصورة إيحائية - فكرة ضالة يبثها الشيطان في روع تابعيه خلاصتها : أن الله يبغضه وإنما الشيطان يحميه من غضب الرب . . ويسفه السياق هذا الزعم ، أولًا : بأن الله هو الرحمن ، ولا يبغض أحداً لذاته بل بسبب فعاله القبيحة . وثانياً : إن اتباع الشيطان عذاب وشر مستطير وليس فيه أية فائدة .