السيد محمد تقي المدرسي

127

من هدى القرآن

السابقة كان مقروناً بعدم التكلم ، فعيسى أشار لمريم بأن تقول للناس : إنني صائمة من دون أن تقول كلاماً ، لأنها إذا تكلمت بطل صومها ، وبالرغم من أن هذا النوع من الصوم قد نسخ في شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله إلا أن بعض إيجابياته لا تزال باقية ؛ حيث جاء في رواية مأثورة عن الإمام الصادقعليه السلام : [ إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ وَحْدَهُ ، إِنَّ مَرْيَمَ عليها السلام قَالَتْ : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً أَيْ صَمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ ، وغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ ، ولَا تَحَاسَدُوا ولَا تَنَازَعُوا ] « 1 » . وإنما تستعمل الإشارة بدليل الآيات التالية التي تفيد بأن مريم أشارت بيدها إلى ولدها ليعلم القوم أنها لا تتكلم . التهمة المفتراة [ 27 ] فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ امرأة عذراء ، غير متزوجة ، صغيرة السن ، تحمل ولدا رضيعاً ! ! . قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً أي عظيماً عجيباً . ويبدو أنهم في البداية لم يتهموها بالفاحشة ، ولكنهم شيئاً فشيئا اتهموها بها بصورة غير مباشرة : [ 28 ] يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً لقد ذكروها بأنها أخت هارون ، والواقع أن مريم لم تكن أختا لهارون ، وإنما كانت من عائلة زكية طاهرة نقية يقف في رأسها هارون أخو موسى عليه السلام ومن المعروف أنه حينما كانوا يريدون أن ينسبوا أحداً إلى عائلة كانوا ينسبونه إلى عشيرته ، ولأن هارون كان مشهوراً بالتقوى والطهارة ، لذلك قالوا لمريم : يَا أُخْتَ هَارُونَ وهذا الأسلوب معروف أيضاً في اللغة العربية ، حيث إنّ العرب حينما كانوا يريدون أن ينسبوا شخصاً إلى عشيرته يقولون له : يا أخا فلان . قالوا لها : نحن نعرف أباك ، فلم يكن سئ الخلق ، وأمك لم تكن بغياً ، فمن أين هذا الطفل ؟ ! ، ومن هذه الآية نستطيع أن نستوحي مدى تأثير الوراثة والتربية في حياة الإنسان ، لأنهم عرفوا أن العائلة الزكية يجب أن تخرج منها امرأة زكية ، والعكس صحيح غالباً ، فمن عائلة غير شريفة لا يستبعد أن تخرج منها امرأة غير شريفة . [ 29 ] فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً كيف نكّلم من لم يزل في المهد طفلًا ؟ ! فظنوا أن مريم إنما تستهزئ بهم ، ولكن لم يلبث عيسى أن نطق بكلام فصيح ،

--> ( 1 ) الكافي : ج 4 ص 87 .