السيد محمد تقي المدرسي
67
من هدى القرآن
( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) فبحلمه العظيم صبر على اذى قومه ، على أمل أن يهتدوا في يوم من الأيام ، ولا يزال ينتظر هدايتهم لا هلاكهم ، ولأنه دائم التضرع إلى الله ، وقلبه متصل أبدا بالله عن طريق المناجاة نراه يدعو الله لكي ينقذ قوم لوط ، ويعطيهم فرصة أخرى للهداية دون أن يعلم الغيب ، وإنه لا أمل فيهم أبدا ، ولذلك فهو أواه ، بيد أنه يسلم لله الأمر وينيب إلى ربه ولا يجعل الدعاء إذا لم يستجب سببا لعدم رضاه من الله فهو إذا منيب . [ 76 ] ولأن إبراهيم منيب تجده يعود عن قراره بطلب الخلاص لقوم لوط ، وذلك حين قال له ربه : ( يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) فما دام الأمر لم يصبح جديا ومحتما يجوز أن يسعى الفرد لتغييره ، بالعمل أو بالدعاء ، وأما إذا قضى الله أمرا فلا يمكن تغييره . في ضيافة لوط عليه السلام [ 77 ] وانتقل رسل الله من عند إبراهيم عليه السلام إلى بيت لوط عليه السلام ، وحدثت هناك المفاجأة الثانية حيث ضاقت الأزمة لتنفرج ، واشتدت لتحل . ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) إن لوطا حسب أن هؤلاء الرسل الذين جاؤوا إليه في صورة فتية حسان الوجوه ، حسبهم أنهم ضيوفه وكان قومه يفعلون الفاحشة بالضيوف ، لذلك استاء منهم وضاق ذرعا بحضورهم ، ورأى أن ذلك اليوم شديد عليه ، وأنه لا حيلة له في عمل شيء أبدا ، لأنه وحيد بين قوم طغاة لا يؤمنون بدين ، ولا يدينون بشرف . [ 78 ] ولما رأى قومه الفتية أسرعوا إلى بيت لوط عليه السلام ليفعلوا ما اعتادوا عليه من الفاحشة ، ودعاهم لوط عليه السلام إلى ترك الشذوذ الجنسي والعودة إلى سنة الله في الحياة بالزواج من البنات . ( وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ) أي يسرعون إلى بيته ( وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) قالوا : بأن لوطا عليه السلام طالبهم بزواج البنات من أمته وهن بناته بالأبوة الروحية والرسالية ، أو كما قالوا : بأنه عرض عليهم بناته ليتزوجوا منهن ، وكان ذلك العرض السخي من أجل نهيهم عن المنكر ، بأي وسيلة ممكنة . ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) وهكذا أمرهم بتقوى الله ، وترك العادة السيئة ، بعد أن أوضح لهم الطريق السوي لإشباع الشهوة الجنسية ، وطالبهم لوط برعاية الشرف ( وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي ) ، فإن