السيد محمد تقي المدرسي
39
من هدى القرآن
في المفردات : الغي : جهل من اعتقاد فاسد ، وذلك أن الجهل قد يكون في الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحا ولا فاسدا ، وقد يكون في اعتقاد شيء فاسد ، وهذا النحو الثاني يقال له : غي ، وقد يكون هذا الغي يشير إلى أن الله تعالى قد يسلب من البشر نعمة العقل ، فيعتقد بالباطل حقا . [ 35 ] هكذا رسالات الله جميعا ، التي أنزلت على نوح والتي أنزلت على محمد صلى الله عليه والهسبيلها واحد ، فهي من الله . والرسول يعلم مدى الخيانة التي يرتكبها من يفتري على الله ، ولكن جريمة من لا يهتدي بالرسالة ليست بسيطة هي الأخرى ، وليس من السهل أن يسترسل الفرد ولا يستمع لرسول الرسالة بمجرد احتمال كذبه لأنها جريمة كبيرة أيضا . ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ) جاء في تفسير مجمع البيان : ( قيل إنه يعني بذلك محمدا صلى الله عليه وآله . والمراد أيؤمن كفار ( قوم ) محمد بما أخبرهم به محمد صلى الله عليه وآله من نبأ قوم نوح ، أم يقولون : افتراه محمد من تلقاء نفسه ، وقيل : يعني نوحا ، وإنه يقول على الله الكذب ) « 1 » . بيد أنه يمكن أن يفسر القرآن على أكثر من وجه فيكون المراد ليس فقط رسالة محمد صلى الله عليه وآله وإنما رسالة نوح أيضا . [ 36 ] ولم يترك نوح عليه السلام الجدال مع قومه إلا بعد أن أوحى إليه ربه أنه يستحيل إيمان قومه بعد الآن ، وإن عليه ألا يحزن عليهم ، وألا يعيش حالة البؤس بسبب أفعالهم ( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) . إن رسل الله عليهم السلاميتمحورون حول الله ، ويصبحون شعلة من الحركة والاندفاع من أجل تبليغ رسالة الله ، حتى يكادوا يهلكون أنفسهم حزنا بسبب عدم إيمان الناس ، وجاء في القرآن : ( طه ( 1 ) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) [ طه : 1 ] . وجاء : ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ) [ الكهف : 6 ] . وهذا نوح عليه السلام يبلغ حالة البؤس والاستكانة بسبب ما يفعله ، ولكن الله ينهاه عن ذلك ، ويأمره بمتابعة دربه . إنهم مغرقون [ 37 ] وتبدأ رحلة الجزاء التي بدأت بصنع السفينة ( وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) . كان نوح عليه السلام لا يقوم بخطوة إلا حسب المنهاج الذي رسمه له ربه ، تحت مظلة واقية
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 5 ص 269 ، بتصرف .