السيد محمد تقي المدرسي

24

من هدى القرآن

الناس بما يفعلون ، واختبار وعيهم وعقلهم وإرادتهم وحسن أو سوء اختيارهم ، ولو عجل ربنا في عقاب الكافرين أو ثواب المؤمنين ، لانعدمت فرصة ابتلائهم ، وكما جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام في موضوع الأنبياء إنه : ( لَوْ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ ، وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ ، وَمُلْكٍ يُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ ، وَيُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَى الخَلْقِ فِي الِاخْتِبَارِ وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ ، وَلآَمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً ، وَالحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً ) « 1 » . الثانية : إن طبيعة عمل الكفار صلاح ظاهره وفساد باطنه ، فهو كشجرة مسوسة أو بناء أنيق يكاد يتهدم بسبب تزلزل قواعده . وكل جزاء يرتبط بظاهر العمل ، وصورته الخارجية ، فإنه يعجل لهم دون نقيصة ، بينما يبقى الجزاء الحقيقي الباقي لأولئك الذين يصلحون واقع عملهم . فالشجرة المسوسة تعطيك البهجة والظل ، ولكنها لا تعطيك الثمر ، وهكذا العمل الذي يفقد عنصر الإيمان والصدق مثل الذي يرائي الناس في أعماله ، يكسب بعض الشهرة عندهم ، ولكن الصلاة التي يقيمها رياء لا تعرج بنفسه في سماء الفضيلة والتقوى ، وكذلك المجتمع الكافر الذي يعمل من أجل الرفاه فقط فإن حياته المادية العاجلة سوف تتحسن ظاهراً ، ولفترة محدودة إذ أن الذنوب والمعاصي ، وظلم بعضهم لبعض ، وظلمهم لسائر المجتمعات كل ذلك يصبح كالسوسة التي تنخر في أعماقهم حتى ينهار بناؤهم الأنيق ، ويكون مصيرهم مصير عاد وثمود وأصحاب الرس وأصحاب الأيكة ، الذين انهارت حضاراتهم التي اغتروا بها ، وزعموا أنها خالدة ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) . [ 16 ] ولكن مثل هذا الفريق مثل الشاب الذي يستنفذ كل طاقاته في أيام صحته وفراغه وقوته ، فإذا حل بساحة الشيب لم يجد شيئا ينفعه . . أمواله صرفت ، طاقاته استنفذت ، وإمكاناته أنفقت ، كذلك المجتمع الذي يفكر في لحظته لا يفكر في القيم ولا في المجتمعات الأخرى ، ولا في مستقبله . إنه لاحظ له في الآخرة ، بل إن أعماله السابقة تبطل لأنها لم تكن قائمة منذ البدء على أساس ثابت ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) لقد بنوا حضارتهم على قاعدة الاعتداء والظلم والفساد ، فهي على شفا جرف هار ، تنهار بهم في نار جهنم .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : خطبة . 192 :