السيد محمد تقي المدرسي
14
من هدى القرآن
الحقائق ، تذكر بها وتهدي العقول إليها . ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ) فالقرآن ليس أفكارا بل هو آيات تشير مباشرة إلى الحقيقة لكي يراها البشر فور ما تشير إليها ، والآية بمعنى العلامة والكلمة مأخوذة من مادة ( أوى ) بمعنى الذهاب إلى البيت وكأن العلامة تذهب بك إلى رحاب الحقيقة ذاتها ، والقرآن هو ذلك الكتاب الذي يبصرك بالحقائق . وآيات القرآن محكمة ومفصلة ، أما الإحكام فهو آتٍ من حكمة الله ، التي لا تدع ثغرة في كلماته ، ولا سبيلا للباطل إليها ، بل يصب الكلمات على مقياس الحقيقة دون زيادة بوصة أو نقيصة بوصة ، أو فراغ في جزء ، فهو يقول كل الحقيقة وبكل أبعادها ، وأما التفصيل فهو تحديد تلك البصائر المحكمة ضمن واجبات ومحرمات فرعية ، فالقرآن مثله مثل الشجرة راسخة الجذور منتشرة الفروع . والإحكام بحاجة إلى حكمة ، فمن لا يعرف الخطوط العامة لأنظمة الحياة ، كيف يتسنى له أن يضع برنامجا متكاملا لها ، ويعطي رؤية صادقة ، كما أن التفصيل بحاجة إلى خبرة ومعرفة سابقة لدقائق الأمور ولطائفها ، والله حكيم خبير ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) وتلك الحكمة التي نشاهدها في الإطار العام للكون ، وتلك الخبرة التي نراها في أدق الأمور ، وألطفها مثل صنع أوجه النملة ومفاصل أرجلها ، أو في صنع الخلية الحية ، أو صنع الذرة المتناهية في اللطف . إن كل ذلك شاهد على حكمة الله وخبرته ، وأن خالق المجرات الحكيم وصانع الذرة الخبير ، هو الذي أمر بحكمته إخلاص العبودية له ، ووضع بخبرته برنامجا تفصيليا لهذه العبادة . التوحيد وفروعه [ 2 ] ومن الآيات المحكمة الموجودة في الكتاب دعوته الصريحة إلى نبذ الشركاء من دونه ( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) إذ أن التوحيد بصيرة عامة تتفرع عنها سائر الشرائع الإلهية ، وبعدها تأتي الرسالة التي هي بدورها فرع من فروع التوحيد ( إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) . [ 3 ] واستغفار الله فرع ثان للتوحيد . إذ حينما يعمر قلب الفرد بإيمان صادق بالله ، ويعرف عظمته وكبرياءه ونعمه التي لا تحصى ، آنئذ يشعر الفرد بالصغار أمام الله ، ويستغفره ويتوسل إليه ، لذلك جاء في آية أخرى ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) [ محمد : 19 ] حيث أن الاستغفار جاء بعد الإيمان بالله لأنه فرع متصل به ، وبعد حالة الاستغفار تأتي مرحلة التوبة وهي العودة إلى الله وخلوص العبادة له وإخلاص العمل في سبيله ، فلا يكفي