السيد محمد تقي المدرسي
71
من هدى القرآن
تكررت هذه الكلمة في الآيات السابقة أيضاً ، ويتساءل المرء لماذا جاءت هذه الكلمة في صورة النهي ، أو لم يكن الأفضل أن يقول ربنا سبحانه : وأصلحوا في الأرض ؟ . أتصور أن هذه القصص بالذات تعكس وضع الحضارات في ظروف شيخوختها ، وتنامي نقاط الضعف فيها ، وأفول نجمها حيث أن الحضارة تنشأ وتتنامى فيها نقاط القوة ، ولكن الغرور والإرهاب والاستكبار كل ذلك يبدل نقاط القوة فيها إلى نقاط ضعف حتى تقضي عليها ، ورسالات السماء تسعى من أجل إيقاف تدهور الحضارات ودمار العمران بتوعية الناس بأسباب قوتهم السابقة ، وعوامل الانقراض ومنها بل ومن أبرزها هي : الفساد بعد الإصلاح ، أي تحول تلك العلاقة الإنتاجية والعمرانية والإبداعية التي كانت حاكمة سابقا بين أبناء المجتمع بعضهم مع بعض أو مع الطبيعة إلى علاقة استهلاك واستغلال وترف . إن حالة الاستهلاك القائمة اليوم في بلادنا الإسلامية ، وصفة الترف والتوسع في الحاجيات الكمالية ، والرغبة عن الأعمال الإنشائية مثل العمران والتصنيع إنها جميعا تشكل أخطر عوامل التخلف عندنا ، ويا ليتنا نتدبر في هذه القصص لنكشف فيها سر تخلفنا ، وأسباب النهوض ببلادنا بعد الركود والتخلف ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ . الهدم أصعب يزعم البعض أن الإسراف خير من الاقتصاد في المعيشة لأنه يمتعك باللذائذ أكثر وبجهد أقل ، أو يزعم أن استغلال جهود الآخرين واستهلاك ما ينتجونه خير من الاجتهاد والإنتاج لأنه تجاوز للتعب والإرهاق ، وإشباع للغرائز بأقل قدر من العمل ، وبالتالي يزعم أكثر الناس أن الهدم خير وسيلة للدفاع ، وأفضل وسيلة لإدارة الصراع بنجاح ، ولكن ما أبعد الحقيقة عن هذه المزاعم . إنك حين تسرف في النعم فإنك تهلك أنسجة بدنك بقدر ما تستهلك من المواد ، وتفسد عاداتك ونفسيتك بقدر ما تفسد الطبيعة . إنك حين تنتج فإنك ترتفع إلى مستوى الإنتاج وتتكامل قدراتك وتُصقل مواهبك بذات النسبة ، والبلد الذي ينتج الصناعة المتقدمة يختلف عن الذي يشتريها اختلاف الأم التي تنجب طفلا عن تلك التي تتبنى طفلًا . إن البلد المنتج تتكامل قدراته وترتفع إلى مستوى إنتاج الحاجات الصناعية المتقدمة ، وصناعة البدائل ، كذلك المزارع الذي يحرث الأرض ويسقي الحقل حتى يجني الثمرات ، ليس