السيد محمد تقي المدرسي
69
من هدى القرآن
كفر ، والله سوف يحكم بين الفريقين ، والزمن شاهد على صدق النبوءة . واحتدم الصراع وبدأ الكفار بمنع الناس عن الإيمان بالرسالة واعتبار ذلك خسارة ، وانتهت قصتهم بعذاب أنزله الله عليهم في صورة رجفة قضت عليهم ، وشهد التاريخ أن الخاسرين إنما كانوا هم الذين كذبوا بشعيب عليه السلام لا المؤمنين به ، وتلك النعم التي اغتروا بها لم تنفعهم في ساعة العذاب . أما شعيب عليه السلام فلم يحفل بمصيرهم لأنه نصحهم وأبلغهم رسالات ربهم ، فكفروا بها ، فلم يأسف لمصيرهم ، ويبدو لي : أن أهل مدين كما أصحاب الحضارات السابقة كانت علاقتهم بالأشياء والأشخاص علاقة العطاء والتربية والإصلاح فبنوا تلك المدنية ، ولكنهم بدلوا تلك العلاقة وأصبحت علاقتهم علاقة الإسراف والاستهلاك والإفساد فدمرت حضارتهم . بينات من الآيات : التمثيلية التاريخية [ 85 ] وتتكرر مشاهدة في التاريخ حتى ليكاد المرء يتصور أنها جميعاً مشهداً واحداً لا يتغير سوى الممثلين فيه ، وأن كانت هناك اختلافات فإنما هي في المظاهر الخارجية للأحداث ، فكل الجرائم والانحرافات التي يبتلى بها المجتمع تنشأ من عدم التسليم لله عز وجل وعدم اتباع مناهجه كاملًا ، والشرك به عن طريق طاعة غيره من الطواغيت والأصنام الحجرية أو البشرية ، أو التشبث بالقشور والأسماء التي لا يوجد وراءها شيء ، لذلك تجد رسالات السماء تؤكد أولًا وقبل كل شيء على الوصية بعبادة الله ، ففي القصص السابقة بدأ كل نبي حديثه مع قومه بهذه الكلمة : اعْبُدُوا اللَّهَ . وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ماذا تعني عبادة الله ؟ عبادة الله لا تعني مجرد التسليم النفسي له ، بل ويجب التعبير عن صدق هذا التسليم عمليا في صورة الكفر بالطاغوت والتمرد ضد أي حكم ظالم يتخذ من القوة أداة للسيطرة والقهر ، وبالتالي التمرد ضد كل حكم غير شرعي . إن أنبياء الله عليهم السلام كانوا يهدفون تغيير النظام السياسي في المجتمع ، من نظام شركي قائم على أساس الحاكم والمحكوم ، إلى نظام توحيدي يقوم على أساس رفض الحاكميات جميعاً سوى