السيد محمد تقي المدرسي

57

من هدى القرآن

هدى من الآيات : تتكرر قصة نوح عليه السلام بين هود عليه السلام رسول الله وقومه عاد ، حيث أمرهم بتقوى الله ، ولكنهم اتهموه بالسفاهة ، وكادوا يكذبونه ، فنفى هود عن نفسه السفاهة ، وقال : إنه رسول من الله الذي ينزل بركاته على العالمين ، وبين أن ذلك لم يكن بعيدا عن سنن الله ، وعن حكمة العقول ، إذ أن الله أنزل بركاته المادية على عاد ، وجعلهم الوارثين للأرض بعد قوم نوح عليه السلاموزادهم من نعمه ، فكان عليهم أن يعترفوا بنعم الله ويتذكروا أن الرب الرحيم الذي أنعم بها عليها هو الذي أرسل رسالته المباركة بواسطته . لكن عاداً كذبوا هوداً وتحدوه ونازلوه واستعجلوا العذاب ، بيد أن هوداً عليه السلام كان يرى في تكذيبهم رجساً وغضباً ، لأنهم خضعوا لمجموعة أصنام لا رصيد لها من الواقع ، بل هي حروف بلا معاني وبلا سلطان من الله عليها ، ثم استجاب هود عليه السلام لتحديهم وطلب منهم الانتظار . وقد أنجاه الله والذين معه برحمةً منه ، وأنهى مدينة عاد ومن بها ممن يكذب بآيات الله لأنهم كفروا بالله . وهذا مثل آخر لنعم الله التي تتجلى بها صفة الربوبية ، فلو استجاب لها البشر لانتفع بها ، وإلا فإنها سوف تتبدل إلى نقمة عليهم . بينات من الآيات : افتراءات الملأ [ 65 ] أرسل الله إلى عاد واحداً منهم وهو أخوهم هود عليه السلام الذي دعاهم إلى الله الذي لا ملجأ لهم إلا إليه ، وأمرهم أن يحذروا منه ويتقوه * وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ . [ 66 ] وهنا وقف جماعة من قومه يعارضونه ، وهؤلاء هم الملأ الذين اختاروا الكفر بوعي وإصرار ، واتهموا هوداً بالسفاهة لأنه تحدى حضارتهم ، وواجه قوتهم التي كانوا مغرورين بها ، زاعمين أن منهجهم في الحياة منهج سليم ، بدليل أنهم قد بلغوا عن طريقه إلى هذه الحضارة ، وهذه القوة الكبيرة ، بل إنهم كادوا يتهمونه بالكذب ، والفرق بين السفاهة والكذب إنما هو في النية ، فالسفاهة هي الإصرار على الخطأ بنية صالحة وذلك لقلة العقل ، بينما الكذب هو تعمد الخطأ مع العلم به وذلك للوصول إلى هدف باطل ، وقوم عاد كانوا يرون في هود الصلاح والزهد ، لذلك لم يكونوا يجرءون على اتهامه بالكذب لذلك : قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ .