السيد محمد تقي المدرسي
52
من هدى القرآن
لننظر إلى المطر ، كيف يرسل الله عز وجل الرياح مبشرات بالربيع والرخاء ، ولتحمل السحاب المليئة بالماء وتساق من قبل الله تعالى إلى بلد ميت ، فإذا بالماء يحيي الأرض ويخرج نبات كل شيء ، وهكذا كما في الربيع عندما يحيي الله تعالى الأرض ويبعث فيها الحياة ، كذلك في يوم القيامة يخرج الله الموتى ، والقضية بحاجة إلى تذكر وتفهم . بيد أن إنزال المطر لا يعني الحياة ، بل يجب أن تكون الأرض مستعدة لتقبل النعمة والاستجابة لها ، فالأرض الطيبة تخرج نباتها بإذن الله ، أما الأرض الخبيثة فإن نباتها يخرج نكدا ، كذلك آيات الله التي أنزلت على الرسل عليهم السلام بحاجة إلى أرضية مناسبة لدى الإنسان حتى يستفيد منها ، تلك الأرضية هي أرضية الشكر والاستجابة ، وإلا فلا تنفع وهذا أعظم درس نستفيده ، من النظر إلى التاريخ ، فلقد أرسل الله نوحاً عليه السلام إلى قومه ، حيث دعاهم إلى عبادة الله ، وحذرهم من عذابه العظيم ، بيد أن قومه اتهموه بالضلالة ، فنفى عن نفسه الضلالة وبين لهم أنه رسول من رب السماوات والأرض ، وأنه جاء لينصحهم لأنه يعرف من دونهم تعاليم السماء ، وكيفية الاستفادة منها ، ثم بين لهم أنه لا عجب في أن يرحم الله عباده ، لأنه ربهم الذي ينزل عليهم بركاته دائما ، ويزيد لهم التكامل والتطور ، وأن رسالة الله تهدف الاستفادة من الإنذار لكل البشر معنويا بالتقوى ، وماديا بالرحمة . بيد أن تكذيب الناس لنوح عليه السلام ورسالته سبب غضب الله تعالى لهم ، لأنهم كانوا قوما عمين عموا عن الحق وضلوا فأضلوا . بينات من الآيات : التدبير الحكيم والقدرة المهيمنة [ 57 ] القرآن الحكيم يلفت نظر البشر إلى الطبيعة الزاخرة بالحيوية والجيشان ، وانطلاقا من الحقائق الظاهرة المشهورة يبلغوا الحقائق الغيبية المعقولة . الحقيقة المشهورة هي أن الرياح التي تبشر بالمواسم الخيرة وتحمل السحاب الثقال ، فيسوقها الله عز وجل إلى البلد الميت لينزل منها الماء ويخرج به الثمرات ، هذه الحقيقة المشهورة تكشف لنا أمرين : الأول : أن وراء الطبيعة إرادة حكيمة تسيرها . الثاني : أن تلك القدرة المهيمنة على الكون هي التي تخرج الموتى من الأرض وتبعثهم للحساب . وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ فالرياح لا تأتي عفوياً ، بل