السيد محمد تقي المدرسي

50

من هدى القرآن

خروجكم من غلظة الأنانية إلى رقة الضراعة ، ومن فقر الاستكبار وذل المعصية إلى غنى العبادة وعز الطاعة . إن الإنسان يولد - كما زبر الحديد - فيحتاج إلى صقل ، والدعاء هو : ذلك المبرد الذي يصقل النفس الإنسانية ، لأن الدعاء يولد في القلب إحساسا بالنقص ، وثقة بإمكان التغلب عليه ، والدعاء يعرف الفرد بمواطن ضعفه وضرورة جبرانها ، والدعاء يجعلك واقعيا تعترف بجدواك ، لذلك فهو أفضل وسيلة لكبح شهوة الاعتداء على الآخرين والبطش بهم . تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً التضرع لكي يكون الدعاء واقعيًّا ، ولإصلاح الذات ، ولعلاج داء الاستكبار ومرض الفخر والعزة بالإثم ، أما الخفية فلأجل ألا يصبح الدعاء رياءً ، وبالتالي تكريساً لمرض التكبر والفخر إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الذين بسبب عدم تضرعهم لله وخضوعهم لعظمته يجنحون نحو الاعتداء على الآخرين ، وبدل إصلاح أنفسهم بالطريقة السليمة فهم يحاولون تعويض نواقصهم عن طريق الظلم واغتصاب حقوق الآخرين ، أو يحاولون تعويض شعورهم بالنقص بالإستكبار على هذا أو ذاك . إن رحمة الله قريب من المحسنين [ 56 ] الإحساس بالمحبة للحياة ، وبضرورة إصلاحها هو الشعور المنبعث من الخضوع لله ، والدعاء إليه تضرعاً وخفية ، وبالتالي فإنه انعكاس إيجابي للإيمان بربوبية الله سبحانه ، ومحاولة تقليد هذه العلاقة ( علاقة الربوبية ) فيما يتصل بتعامل البشر مع الحياة ، فكما أن الله يرحم العباد ، ويخلق الأشياء ويسخرها ، ويتسلط عليها من أجل إجراء السنن الأخيرة عليها ، ومن أجل تكميلها وإنزال بركته عليها ، كذلك عليه أن يتقمص صفة الخلق والبناء والإصلاح لا صفة الاستهلاك والهدم والإفساد وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا . والسؤال هو : كيف ننمي في أنفسنا صفة الإصلاح ؟ . الجواب : عن طريق دعاء الله ، والمزيد من التقرب إليه تعالى . وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً خوفاً من عذابه وسلب نعمه ، وطمعاً في المزيد إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ الذين دأبهم ليس فقط إصلاح الحياة ، بل إصلاح الناس أيضا ، والعطاء من أنفسهم لهم ، إن الخوف والطمع من الله يخلق في البشر صفة الإحسان إلى بعضهم أكثر فأكثر .