السيد محمد تقي المدرسي
39
من هدى القرآن
ويأتي القرآن ليُبيّن الخسارة الثانية فيقول : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ولأنه مستحيل أن يدخل الجمل بضخامته في ثقب المخيط لصغره ، فإن دخول الجنة هو الآخر غير واقع وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ فليس ذلك فقط بسبب كفرهم واستكبارهم ، بل وأيضا بسبب إجرامهم العملي ، وبقدرة الله عز وجل أيضاً وقبل كل شيء . [ 41 ] محل هؤلاء النار ، حيث يستقرون في جهنم وفوقهم ظلل من اللهيب والدخان ، تغشاهم وتسترهم . لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ بظلمهم وبقدر ذلك الظلم ، وحسبما يبدو لي : إن الجمل الاعتراضية في القرآن كالتي سوف تأتي في الآية التالية وهي : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا إنها والجمل النهائية مثل آخر الآيتين الأخيرتين وما أشبه هي إشارات إلى الفطرة البشرية التي يهدي إليها العقل ، ويذكر بها الوحي ، وتبنى عليها شرائع السماء جميعا ، فالجريمة والظلم قبيحان وجزاؤهما يجب أن يكون شديدا ، والمستكبر المكذب بآيات الله . مجرم ظالم ، وهذه الإشارات تشكل القيم الأساسية في القرآن الحكيم . عاقبة المؤمنين [ 42 ] تلك كانت عاقبة المكذبين الظالمين ، فما هي عاقبة المؤمنين الصالحين ؟ أولًا : هؤلاء لا يكلفون فوق طاقتهم ، فليس الإيمان أو الواجبات شيئا شاقا حسبما يوهم الشيطان للبشر ، بل هو عمل ميسور . ثانياً : إن مصير الإيمان والصلاح الجنة والرضوان ، وصاحب الإيمان والصلاح هو صاحب الجنة والرضوان ، ذلك حق لا ريب فيه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ 43 ] ثالثاً : أن الإيمان بالله تعالى هو مثل للخروج من معتقل الذات إلى رحاب الحقيقة ، ومن نتائجه الأولية الواقعية في الرؤية ، وأن يرى الشخص نفسه ، ويرى الآخرين معه ، فلا تضيق نفسه بما أنعم الله عليهم ، ولا ينافق معهم ولا يسلب منهم نعم الله ، أو يحب ذلك ويعلم أن فضل الله على أي أحد يتناسب وطيبة نفسه ومقدار عمله وحكم الله في الحياة ، فإذا لماذا الحقد والحسد ؟ ولماذا الفسق والتزوير والنفاق ؟ هذه الصفة تنعكس في الآخرة على شكل مؤانسة وصفاء بين قلوب المؤمنين وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ الرضا من نعم الله على المؤمنين في الجنة ، فهم كما رضوا في الدنيا بما قسم الله عليهم وأسلموا