السيد محمد تقي المدرسي
56
من هدى القرآن
أبداً لمالهم ، ولا يخشى عقابهم . ولكن بما أن أغلب الأغنياء يفرضون سلطانهم على الضعفاء بشكل أو آخر ، فإن القرآن بدأ حديثه في الآية السابقة عن سلبيات هذه الطبقة لإسقاطها في أنظار الناس ، إلا إذا التزموا بشروط الطاعة لله والرسول والقيادة الإسلامية ، والإنفاق في سبيل الله بإخلاص تام ، وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُوراً وتسرد الآيات معالم المختال الفخور : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . المختال : هو المغرور بثروته أو أية ميزة أخرى له ، والفخور هو المتظاهر بهذه الثروة والمتكبر بها على الناس ، وهذه الصفة النفسية ناشئة من الشعور بالضعف والنقص ، ومحاولة جبران هذا الشعور بالاختيال والفخر والتكبر . إن الإنسان يختال بنعم الله عليه ، ويتطاول على الناس بها ، والطبقة الغنية هي الأكثر تعرضاً لخطر هذه الصفة . أما الممارسات السلوكية التي تفرزها هذه الصفة السيئة فهي البخل ، لأن المختال بماله يخشى أن ينفلت المال من يديه فيفقد شخصيته ، ولذلك يحرص على المال حرصه على حياته وشخصيته وكرامته ، ويعتبر المال القيمة الوحيدة في حياته . ولكن البخيل المختال بماله سرعان ما يكتشف أن الذين ينفقون أموالهم يكتسبون شهرة واسعة وعلوًّا عند الناس ، فيبدأ ينهى الناس عن الإنفاق حتى يصبحوا مثله ويجعل رسالته في الحياة الصد عن سبيل الإنفاق . وحين يشتد ضغط الناس عليه بضرورة الإنفاق ، تراه يكتم عن الناس ثرواته ويتظاهر بالفقر ، وفي بعض الحالات يكتم المختال ثروته خوفاً عليها ، وحفاظاً لها عن أعين المنافسين . ويقع البخيل فيما هرب منه ، أوليس هرب من الفقر وما فيه من صفة اجتماعية وقيود مادية ، فها هو عاد فجلب إلى ذاته كراهية الناس ، كما قيد نفسه عن الإنفاق ، وكتم نعم الله عليه ولم ينتفع بها ، أوليس هذا فقراً أشد ألماً من عدم الفقراء ومسكنة الصعاليك ، من هنا جاء في وصية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لابنه محمد بن الحنفية : « الْحِرْصُ فَقْرٌ حَاضِرٌ » « 1 » . وينهي القرآن الآية بهذه الكلمة : وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً للإيحاء بأن كتمان نعم الله ، والبخل بها ، والاختيال والفخر ، إنما هي كفر بالله ومما آتاه الله للإنسان من نعم
--> ( 1 ) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 389 .