السيد محمد تقي المدرسي
11
من هدى القرآن
النفاق ودور الشيطان في زرع شتيلة النفاق في النفس ببث أمانيه الخلابة الكاذبة ، وأساطيره الساذجة . وبعد أن يبين القرآن في ( الآيات : 131 - 134 ) ضرورة التقوى والالتزام ، وإقامة القسط والشهادة لله لكي يزكي النفوس عن عوامل النفاق ، بعدئذ يعود مرة أخرى في ( الآيات : 136 - 146 ) ليبين أن الإيمان حقيقة بسيطة لا تتجزأ ، وأن الذين يفرقون بين فكرة وأخرى في الإيمان فهم كفار ومنافقون يخادعون أنفسهم ، لأنهم يتخذون الكافرين أولياء ، وهم في الدرك الأسفل من النار . ثم يبين السبيل الوحيد لإخراج هؤلاء من حالتهم ، وهو التوبة والإصلاح ، ثم الشكر والإيمان ، وعدم الجهر بالسوء من القول ، وابتغاء مرضاة الله بالأعمال الصالحة . ويكرر القرآن - وبتفصيل أكثر هذه المرة - بيان بساطة الإيمان ، وأنه حقيقة لا تتجزأ ، ويبين في ( الآيات : 150 - 160 ) أن الذين لا يؤمنون تحت طائلة عدم الاقتناع هم أناس كاذبون ، ومثلهم بنو إسرائيل حين سألوا النبي موسى ( عليه السلام ) أن يريهم الله سبحانه جهرة ، ثم اتخذوا العجل بعد أن توضحت لهم الآيات ، وأنهم نقضوا الميثاق ، واختاروا الكفر بآيات الله ، واتهموا مريم ( عليها السلام ) بالفحشاء ، وادعوا أنهم قتلوا عيسى ( عليه السلام ) ، وظلموا أنفسهم وأخذوا الربا . وفي الآيات الأخيرة من السورة يتحدث القرآن عن ضرورة الإيمان بالله وبالرسول بشكل كامل ، والاعتصام بالنور الذي أنزله ، وكمثل لهذا الإيمان يذكر القرآن حكماً في الإرث ، وينهي به سورة النساء . إن هذا الاستعراض الموجز لتفصيل ( سورة النساء ) ، يكشف لنا الخيط الذي يربط بين موضوعاته الرئيسية ، وهو المجتمع الإسلامي بما فيه من قيم الحق والعدالة والتقوى ، وبما فيه من حقوق المرأة ، واليتيم ، والسفيه ، والفقير ، والدفاع عن المستضعفين والمحرومين وما له من قيادة حكيمة ، وسياسة واضحة ، وإرادة حازمة ، معتمدة على قواعد راسخة من إيمان الأمة بالرسول وبأولي الأمر من بعده . وبالطبع ؛ لا يتحدث القرآن عن المجتمع المسلم بطريقة علمية فحسب ، بل وتربوية أيضاً ، فنكتشف من خلال حديثه المبارك كيف نبني هذا المجتمع ، وما هي الدواعي التي تدفعنا إلى اختياره .