السيد محمد تقي المدرسي
82
من هدى القرآن
منها يتحدث السياق عن القيم الأخلاقية ، وهي في سور البقرة ولقمان والأحزاب ، أما في سورة الإسراء فإن القيم التشريعية أضيفت فيها إلى القيم الأخلاقية . وهكذا يكون الكتاب تلك البصائر والأحكام الثابتة التي تعكس سنن الله التي لا تتغير ، بينما الحكمة هي القيم العامة والأصول الكلية التي لو عرفها الإنسان عرف كيف يحكم بين الناس في الحوادث الواقعة . وكانت تلك مِنَّة كبرى إمتنَّ بها الرب تعالى على هذه الأمة ، حيث بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آيات الله ( يذكِّرهم بالله ويوقظ عقولهم ويُنمّي معارفهم ) ، ويزكّي قلوبهم ( ويطهرها من الفواحش الباطنية كالكبر والغفلة والحسد والشح ) ، ويعلِّمهم الكتاب ( وفيه كل الحقائق ) ، ويعلِّمهم الحكمة ( الشريعة ومنهج الحكم ) ، وقد نقلهم الله بنبيه من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام حيث كانوا من قبل في ضلال مبين ، قال الله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » . وإذا كان الكتاب جملة الحقائق والبصائر ، فإن الحكمة هي فقه الكتاب ، وتعقّله ، ومعرفته بحيث تصدر الأحكام الصحيحة منه ، وبحيث ينتظم العيش على أساسه ، ويتم تدبير متغيرات الحياة وفق تعاليمه . القرآن الكريم حِكَمٌ وأحكام الله نور السماوات والأرض ، ونوره يتجلى في مشكاة النبوة ، ثم في مصباح الإمامة ، ويشع على روابي الفقه والإيمان ، وأنّى انتشر هذا النور فسوف لا ينفصل عن معدن التوحيد ، أو مشكاة النبوة ومصباح الإمامة . ولا تكاد تمرّ على آية قرآنية إلا وفيها اسم مبارك من أسماء الله الحسنى ، تتصل به معاني الآية إتّصال النور بالمصباح ، والحُكْم بالحكمة ، والدليل بالحقيقة ، والحكمة بالسُّنّة ، والسُّنّة بالأسماء الحسنى ، وتتدرج حِكَمُ الأحكام بهذا النسق من حكمة أقرب إلى التوحيد ، إلى ما هو أقرب إلى الحقائق الواقعة ، كل حكمة تتفرع مما هي أسمى منها وأقرب إلى أسماء الله الحسنى . إنَّ ربنا قرَّب لنا الأمثال ، وساق إلينا البصائر ، وأنزل الحكمة ، وعلَّم الأسماء لكي يفقه عباده دينه ، ويعلموا مراده منهم ويعملوا بذلك .
--> ( 1 ) آل عمران : 164 .