السيد محمد تقي المدرسي
72
من هدى القرآن
ماكنة الإنسان من الأخلاق الفاسدة والأفكار الباطلة . من هنا تكمل عملية التزكية عملية التعليم وتأتي الواحدة تتمة للأخرى . 2 - أما كيف يجمع القرآن بين التزكية والتعليم ؟ فهذا يجب أن نبحث فيه عبر عدة نقاط : الأولى : إن القرآن الحكيم يوجه الناس إلى الحق ، بالحق ذاته ، فلا يجعل الباطل وسيلة لدعوة الناس إلى الحق شأن سائر الكتب التربوية التي قليلا ما تنظر إلى الوسيلة التي تحقق الهدف التربوي ، من هنا يبين القرآن الحكيم السنن الكونية والقوانين الفطرية التي تحكم الحياة وتوجه الناس إلى معرفتها لكي يزكوا أنفسهم بمعرفتها . وتوجيه القرآن نحو هذه السنن والقوانين يهدف إلى أمرين : الأول : هداية الناس إلى طريق صلاحهم الذي لا يعدو أن يكون التوفيق بين حياتهم وبين متطلبات السنن العامة . الثاني : تعليم الناس تلك السنن . ومن الطبيعي أن يختفي الهدف الثاني من ظاهر القرآن ، إذ إن سياق الكتاب يسير باتجاه التزكية مما ينبئ عن أنها الهدف الوحيد الذي ينشده القرآن ، ولكن بالرغم من ذلك فإن نظرة فاحصة تهدينا إلى البيانات العلمية التي تنطوي عليها الآيات . فمثلا في سورة الرعد نجد الآية الكريمة : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ « 1 » إنها حقيقة تربوية يتعرض إليها الكتاب لتثبيت المسؤولية الشخصية في نفوس الأمة . وقبل هذه الآية وبعدها تذكرات بهذه الحقيقة . ولكن النظرة الفاحصة تهدينا إلى وجود ما هو أشمل وأوسع دلالة في هذه الآية . إنه القانون الاجتماعي الذي يربط بين الحضارة وبين تطوير الصفات النفسية ، ويقول : كلما كثر بناء قوم على هدمهم . تقدمت بهم الحضارة ، ولا يكثر البناء على الهدم على صعيد الواقع إلا بعد وجود قابلية نفسية مناسبة على صعيد الذات . لقد جعل هذا القانون العلمي في هذه الآية وسيلة لتزكية الإنسان وتحميله مسئوليته الكاملة تجاه التطورات الخارجية .
--> ( 1 ) الرعد : 11 .