السيد محمد تقي المدرسي

66

من هدى القرآن

بين العلم والتذكرة لقد استخدمت في الأدب القرآني كلمة ( التذكّر ) ، انطلاقا من الحقيقة التالية : أنَّ الله قد أودع في الإنسان العقل ، وجعله وعاءً لأصول العلم ومعدناً لركائز المعرفة ، فلا يحتاج الإنسان بالنسبة إليها إلى ما سوى التذكرة بها والتنبيه إليها . فالتذكرة هي بلورة معادن العلم التي أودعها الله في الإنسان ، وبتعبير أفضل : هي بلورة واستثارة العقل الذي يهدي به الله من يشاء إلى صراط مستقيم . فالتذكرة تقوم بدور تفعيل المعلومات الكامنة واستثارة دفائنها تمهيداً لاستنباط حقائق أخرى منها ومن دون تكلّف . سبل التذكّر وهكذا تتكامل عناصر المعرفة عند البشر بالتذكِّرة بها ، أما آيات الذكر الحكيم فإنّها تأتي لتوقظ عقل الإنسان وتذكِّره بالحقائق التي غفل عنها ، ولعل الوسيلة المثلى هناك الأمثال وهي الحقائق الواضحة التي ينبِّه القرآنُ البشرَ إليها ، مثلًا : التمايز بين الأعمى والبصير ، وبين الأصم والسميع ، كما التمايز بين الضال والمهتدي . وكل حقيقة لابد أنْ ينتبه إليها الإنسان بمجرد التذكرة بها ، يقول الله تعالى عن ذلك : * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ « 1 » . ومن أجل أن يتحقق التذكّر عند الإنسان بالرسل ، فإنَّ الله تعالى يَسَّرَ القران بلسان النبي صلى الله عليه وآله تيسيرًا ، وأعرب عنه إعرابًا وأوضحه للناس بيانًا : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ « 2 » . وهكذا كانت آيات الله في الكتاب ، والتي تثير قلب البشر وتهديه إلى آيات الله في الكائنات ، هي وسائل تذكرة البشر . وهكذا ينبِّه القرآن البشر بما ذرء الله في الأرض ، واختلاف ألوانه ، وأنّ له ما في السماوات والأرض فهو الحاكم فيهما ، وأنّه قَدَّر الموت بين البشر ، وأنَّه قادر على أنْ يبدِّل أمثالهم ، وأنّه وسع كل شيءٍ علمًا ، وأنّه لا شفيع إلا مِنْ بعد إذنه ، فلابد أنْ تخلص العبادة له ، وأنْه لا يجير منه

--> ( 1 ) هود : 24 . ( 2 ) الدخان : 58 .