السيد محمد تقي المدرسي
45
من هدى القرآن
اللهُ لِخَلْقِهِ فِي كَلَامِهِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ] « 1 » ، فإنها تختلف تماماً ، إذ لابد من سمو الروح - روح الإنسان - لكي تلتقي وتعي روح القرآن فالروح الإنسانية يلزمها التزود بالبصيرة ووسيلة الاكتشاف . وكما النور لا ينفع إلا من له بصر ، كذلك الكتاب لا يدركه إلّا من له لُبّ . فإذا لم يكن للإنسان عقل سليم ، فإنه يعجز عن درك معاني القرآن . ثم القرآن حقيقته كتاب ، والكتاب يعني الثابت ، وللقرآن ثوابت واضحة ومبينة ، تبين الحقائق وتكشف أصول الحياة العامة . وغاية الكتاب : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ، لكن ينتفع به : مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ، فيصل به سُبُلَ السَّلامِ في الدنيا والآخرة . القرآن تفصيل لكل شيء خلق الله تبارك وتعالى الكون وجعل فيه سننًا وقوانين ، فكان من طبيعة هذه السنن - وفق المشيئة الربانية - أن تتصل بأسماء الله الحسنى . فقانون معاقبة الظالم والأخذ على يد الطغاة مرتبط باسم من أسماءه تعالى ، وهو أنه قائم بالقسط ، وأنه منتقم وجبار وعادل . أما قانون الإحسان إلى المحسنين . وأن الإنسان إذا ما عمل عملًا صالحًا فجزاؤه الإحسان ، فإنه يرتبط ارتباطًا مباشرًا برحمة الله وهو الرحمن الرحيم . وهكذا باقي السنن الأخرى في الحياة ، كلها تتصل بأسماء الله الحسنى . فإذا عرف المخلوق خالقه ، وعرف أسماءه الحسنى ، استطاع أن يعرف من خلالها سنن الله في الطبيعة والحياة ، بمعنى أن قوانين الله جميعًا تجري ضمن حكمة بالغة ، وأن الإنسان كلما استطاع تطبيق هذه الحكمة ، استطاع أن يتجنب مزالق الحياة وأن يتجاوز عقباتها . إن ربنا سبحانه وتعالى أودع كتابه المجيد معرفته ، ومعرفة أسماءه ، ومعرفة سننه ، ومعرفة البصائر التي ينبغي أن يسير وفقها الإنسان في حياته . فكلما قرأنا القرآن بدقة وتدبّر ، كلما استطعنا التعرف على الأصول العامة التي تسيّر الحياة . لنلاحظ قوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ « 2 » ، حيث
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 107 . ( 2 ) البقرة : 228 .