الشيخ محمد علي الأنصاري

606

الموسوعة الفقهية الميسرة

وأمّا المحقّق القمّي ، وهو من الأُصوليّين المجتهدين ، ويبدو أنّه الوحيد ممّن اختار من الأُصوليّين جواز تقليد الميّت إذا كان الظنّ الحاصل من فتواه أقوى من الظنّ الحاصل من فتوى الحيّ ، فإنّه استند في قوله هذا إلى ما اختاره من انسداد باب العلم والعلمي ، الذي لازمه حجيّة الظنّ المطلق ، فكلّ ظنّ يحصل بالنسبة إلى الحكم الشرعيّ فهو حجّة . نعم ، الظنّ الأقوى أقرب إلى الحجيّة فيتعيّن اختياره عند تعدّد الظنون ، سواء حصل من فتوى الميّت أو الحيّ « 1 » . وأمّا الفاضل التوني فاستدلاله شبيه باستدلال الأخباريّين وإن لم يكن منهم « 2 » . وأمّا الأردبيلي فقد استدلّ على جواز تقليد الميّت مع فقد الحيّ بلزوم العسر والحرج « 3 » . - وقد يستدلّ لجواز تقليد الميّت بالاستصحاب . ويمكن تصويره على أنحاء : أ - استصحاب حال المقلِّد ، فيقال : إنّ هذا المقلِّد كان يجوز ويصحّ له تقليد المجتهد الفلاني حال حياته ، ونشكّ بعد وفاته في بقاء هذا الجواز فنستصحبه . ب - استصحاب حال المقلَّد ، فيقال : هذا المقلَّد كان جائز التقليد حال حياته ، فنشكّ في هذا الجواز بعد وفاته ، فنستصحب الجواز . ج - استصحاب حال الفتوى ، فيقال : كانت فتوى هذا المجتهد حجّة بالنسبة إلى من يقلِّده حال حياته ، فنشكّ في بقاء هذا الجواز فنستصحبه « 4 » . ولكن نوقشت هذه الاستصحابات بمناقشات عديدة « 5 » . القول الثاني - عدم جواز تقليد الميّت مطلقاً : هذا هو القول المشهور والمعروف بين الإماميّة متقدّميهم ومتأخّريهم ، بل كاد أن يكون إجماعاً منهم ، ولذلك ادّعاه بعضهم . ففي شرح الألفيّة للمحقّق الثاني : « . . . إنّ ذلك مذهب أصحابنا الإماميّة قاطبة ، وقد نادوا به في مصنّفاتهم الأُصوليّة والفقهيّة ، فاسمعوا من كان حيّاً ، والأدلّة على ذلك كثيرة . . . » « 6 » . وقال الشهيد في المسالك : « وقد صرّح الأصحاب . . . باشتراط حياة المجتهد في جواز العمل بقوله ، وأنّ الميّت لا يجوز العمل بقوله ، ولم يتحقّق إلى الآن في ذلك خلاف ممّن يعتدّ بقوله من أصحابنا . . . » « 7 »

--> ( 1 ) أُنظر : القوانين 2 : 267 و 268 ، وجامع الشتات ( الحجريّة ) 2 : 420 . ( 2 ) تقدّمت عبارته في الصفحة المتقدّمة . ( 3 ) أُنظر مجمع الفائدة 7 : 547 . ( 4 ) أُنظر : مطارح الأنظار 2 : 586 - 593 ، والكفاية : 549 ، وموسوعة الإمام الخوئي ( مصباح الأُصول 3 ) 48 : 548 - 551 . ( 5 ) أُنظر المصادر المتقدّمة . ( 6 ) رسائل المحقّق الثاني 3 : 176 . ( 7 ) المسالك 3 : 109 .