الشيخ محمد علي الأنصاري
596
الموسوعة الفقهية الميسرة
ووجه الاستدلال بها هو : أنّ الآية دلّت على وجوب السؤال عند الجهل ، ومن الظاهر أنّ السؤال مقدِّمة للعمل ، لا أنّ السؤال مطلوب في نفسه ، فلا مصحّح له عقلًا لو لم يكن مقدِّمة للعمل . إذن فالآية تدلّ على أمر عقلائي ، وهو رجوع الجاهل إلى العالم . وبهذا التفسير - الواضح - للآية تندفع شبهة أنّ أهل الذكر ، هم علماء أهل الكتاب ، أو الأئمّة عليهم السلام ؛ لأنّ الآية أشارت إلى قاعدة كلّية ، وهي رجوع الجاهل إلى العالم ، والعالم قد يكون المراد به هو عالم أهل الكتاب ، أو الإمام عليه السلام ، أو الفقيه ، ويعلم ذلك من مناسبات الحكم والموضوع ومورد السؤال والجواب « 1 » . وفي قبال هذه الآيات آيات ناهية عن التقليد والعمل بالظنّ ، سوف نذكرها بعد ذكر الأدلّة المجوِّزة . ثانياً - السنّة : هناك روايات استُدلّ بها على جواز التقليد ، وهي على طوائف : - منها : الأخبار المشتملة على إرجاع بعض شيعتهم إلى أشخاص معيّنين ، مثل إرجاعهم إلى يونس مولى آل يقطين ، وزكريّا بن آدم ، ويونس بن عبد الرحمان ، ومحمّد العَمري ، وابنه عثمان النائبين الخاصّين ، ونحوهم « 2 » . - ومنها : الأخبار الدالّة على الإذن الخاصّ لبعض أصحابهم بالإفتاء ، مثل أبان بن تغلب ، الذي قال له الإمام الباقر عليه السلام : « إجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ، فإنّي أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلُك » « 3 » . ومثل معاذ بن مسلم النحوي الذي قرّر الإمام الصادق عليه السلام جلوسه في المسجد وإفتائه « 4 » . ثالثاً - إرتكاز العقلاء وسيرتهم : من الأُمور الثابتة في ارتكاز العقلاء ، والذي عليه سيرتهم العمليّة هو أنّ الجاهل في كلِّ حرفة وصنعة ، بل في كلِّ أمر من المعاش والمعاد يرجع إلى العالم في ذلك الفنّ ؛ لأنّه من أهل الإطّلاع والخبرة « 5 » . ولم يرد من الشريعة ردعٌ عن هذه السيرة ، وما توهِّم كونه ردعاً سنبيِّن أنّه ليس كذلك . وهذا الدليل هو أهمّ الأدلّة على جواز
--> ( 1 ) التنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 88 - 89 . ( 2 ) أُنظر الوسائل 27 : 136 ، وما بعدها ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، الأحاديث : 1 و 4 و 9 و 23 و 27 و 33 و 34 و 35 و 40 وغيرها . ( 3 ) رجال النجاشي : 10 ترجمة أبان ، رقم 7 . ( 4 ) الوسائل 27 : 148 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 36 . ( 5 ) أُنظر : التنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 83 ، والمستمسك 1 : 10 و 41 .