الشيخ محمد علي الأنصاري
594
الموسوعة الفقهية الميسرة
موقف اللغة والروايات مع هذين التفسيرين : التأمّل في المعنى اللغوي يؤيّد تفسير التقليد بكونه عملًا ، وتوضيح ذلك : تقدّم أنّ تقليد الفتاة كان معناه جعلها ذا قلادة ، وتقليد الهدي تعليق شيءٍ على رقبته ، وبهذا المعنى يكون تقليد العامي للمجتهد ، بمعنى أنّه جعل مسؤوليّة أعماله في رقبة المجتهد وعاتقه ، وأتى بها مستندة إلى فتواه ، لا أنّه التزم بأن يعمل طبقاً لفتواه ؛ لأنّ هذا المعنى لا يلائم تفسير التقليد بجعل القلادة في عنق شخصٍ آخر ، بل يناسب أن يجعل القلادة في عنق نفسه ؛ لأنّه ألزم نفسه بأن يعمل طبق فتوى المجتهد ، فكأ نّه جعل رأي الفقيه قَلادة في عنقه « 1 » . هذا بالنسبة إلى اللغة ، أمّا الروايات ففيها مايدلّ على أنّ التقليد هو العمل المستند ، من قبيل : - ما رواه أبو بصير ، قال : « دخلت أُمّ خالد العبديّة على أبي عبداللَّه عليه السلام وأنا عنده ، فقالت : جُعلت فداك إنّه يعتريني قراقر في بطني وقد وصف لي أطبّاء العراقالنبيذ بالسَّويق ، وقد وقفت وعرفت كراهتك له ، فأحببت أن أسألك عن ذلك ، فقال لها : وما يمنعك عن شربه ؟ قالت : قد قلّدتك ديني فألقى اللَّه عزّ وجلّ حين ألقاه فأُخبره أنّ جعفر بن محمّد أمرني ونهاني ، فقال : يا أبا محمّد ! ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل ؟ ! لا واللَّه لا آذن لك في قطرة منه ، ولا تذوقي منه قطرة ، فإنّما تندمين إذا بلغت نفسك ههنا - وأومأ بيده إلى حنجرته - يقولها ثلاثاً : أفهمت ؟ قالت : نعم . . . » « 2 » . وهناك روايات أُخر يستفاد منها أنّ التقليد بهذا المعنى « 3 » . ثانياً - الكلام في بيان مشروعيّة التقليد وحكمهالتكليفي : المعروف بين الإماميّة هو مشروعيّة التقليد وجوازه بالمعنى الأعمّ الذي يجتمع مع وجوبه ولو تخييراً بينه وبين الاجتهاد والاحتياط . فالتقليد - إجمالًا - واجب تخييراً بينه وبين الإجتهاد والاحتياط ، مع توفّر شروطهما ، وإلّا فقد يتغيّر حكمه مع تبدّل موضوعه كما يأتي بيانه .
--> ( 1 ) التنقيح ( الاجتهاد والتقليد ) : 78 . ولكن عكس العراقي ، فقال : بأنّ تفسير التقليد بالالتزام أوفق بالمعنى اللغوي من تفسيره بالعمل ؛ لأنّ معناه عندئذٍ الالتزام الكلّي بالعمل بقول الفقيه ، لكنّه اختار المعنى الآخر ؛ لعدم الدليل عليه . ( 2 ) الوسائل 25 : 344 ، الباب 20 من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث 2 . وانظر مصدريه : الكافي 6 : 413 ، الحديث الأوّل ، والتهذيب 9 : 112 ، الحديث 487 . ( 3 ) أُنظر : الوسائل 27 : 131 ، الباب 10 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 20 ، و 13 : 164 ، الباب 13 من أبواب بقيّة الكفّارات .