الشيخ محمد علي الأنصاري
513
الموسوعة الفقهية الميسرة
وشفاعته ، وهو طلب من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء . . . » « 1 » . ويلاحظ عليه : أوّلًا - أنّه جعل التوسّل بذاته - كقول القائل : اللّهمّ إنّي أسألك بمحمّد . . . أو بحقّ محمّد ، أو بجاه محمّد - بمنزلة الإقسام على اللَّه بذات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . والصحيح أنّهما ليسا من وادٍ واحدٍ ؛ لأنّ الأوّل سؤال من اللَّه تعالى بتوسيط النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لإجابة الدعاء ، والمراد من الحقّ والجاه هو المنزلة التي له صلى الله عليه وآله وسلم عند اللَّه تعالى . وهذا لا يدخل في دائرة القسم حتى يجري عليه حكمه ، حتّى يقال : لا يجوز الحلف بغير اللَّه تعالى ، وهذا من سنخ الحلف فلا يجوز ! ثانياً - قال أوّلًا : « هذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه ، لا في حياته ، ولا بعد مماته ، لا عند قبره ولا غير قبره . . . » . ثمّ قال في نهاية كلامه حينما فسّر التوسّل بمعنى الإيمان به : « وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسّل بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته من السلف ، كما نُقل عن بعض الصحابة والتابعين ، وعن الإمام أحمد وغيره ، كان حسناً . . . » . وبين الكلامين تهافت واضح ، فإنّه نفى أوّلًا أن يكون الصحابة فعلوا ذلك . ثمّ قال : إذا حملنا فِعْل من فَعَل منهم ذلك على تفسير التوسّل بالإيمان به ارتفع النزاع . فإذن أقرّ بوقوع ذلك من بعض الصحابة إجمالًا ، ثمّ أوّله . فلنا إقراره بالوقوع ، وله تأويله . إذ لا دليل على هذا التوجيه ، سوى دعوى حرمته وهو عين الدعوى . ثالثاً - إنّه ضعّف جميع ما روي ممّا يظهر منه جواز ذلك ووصفها بكونها موضوعه إلّاحديثاً واحداً وهو حديث الأعمى ، ثمّ أخذ بتوجيه الحديث بما يمنع الاحتجاج به ، فقال : « وحديث الأعمى لا حجّة لهم فيه ، فإنّه صريح في أنّه إنّما توسّل بدعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعته ، وهو طلب من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء » . ونحن نوافقه - جدلًا - على مدّعاه بأنَّ الروايات لم يصحّ منها إلّاحديث الأعمى ، ولكن لا نوافقه على تأويله ؛ لأنّ الرواية صريحه في أنّ النبيّ علّم السائل كيفيّة التوسّل به ، فقال له : قل - بعد التوضّؤ والصلاة - : « اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة ، يامحمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى ، اللّهمّ شفّعه فيَّ » . قوله عليه السلام : « . . . وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد . . . » : صريح في جواز التوسّل بذات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يرد في الدعاء ما يُشعر بدعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له ، وإن كان الضرير قد طلب منه صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء له . إذن فالحجّة ما جاء في الدعاء ، وقد تضمّن سؤال اللَّه تعالى بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - سواء قلنا السؤال هنا بذات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو بحقّه - ولم يتضمّن الدعاء من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
--> ( 1 ) الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة : عنوان « توسّل » .