الشيخ محمد علي الأنصاري
494
الموسوعة الفقهية الميسرة
المخاطب منه خلاف ذلك ، ممّا هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب - أو المخاطب الخاصّ - كما لو قلت في مقام إنكار ما قلته في حقّ أحد : علم اللَّه ما قلته ، وأردت بكلمة " ما " الموصولة ، وفهم المخاطب النافية ، وكما لو استأذن رجل بالباب ، فقال الخادم له : ما هو هاهنا ، وأشار إلى موضعٍ خالٍ من البيت . . . » « 1 » . هل التورية داخلة في الكذب أم لا ؟ هناك بحث لدى المتعرّضين لهذا الموضوع ، وهو : أنّ التورية داخلة في حقيقة الكذب أم لا ؟ ولعلّ منشأ ذلك - كما قيل - هو : أنّ ملاك اتّصاف الكلام بالصدق والكذب ما هو ؟ وملاك اتّصاف المتكلّم بكونه صادقاً أو كاذباً ما هو ؟ أمّا ملاك اتّصاف الكلام بالصدق أو الكذب ، فهو يدور مدار مطابقة الظهور للواقع ، وعدم مطابقته له ، سواء كان الكلام مستعملًا في معناه الحقيقي أو المجازي . فإذا قال : رأيت البحر وسلّمت عليه ، وأراد به العالم ، فإن كان واقعاً قد رأى العالم وسلّم عليه ، فيكون الكلام صدقاً ، وإلّا فيكون كذباً . وأمّا ملاك اتّصاف المتكلّم بكونه صادقاً أو كاذباً ، فهل هو نفس الملاك المتقدّم ، أو له ملاكٌ آخر ، وهو مطابقة ما أراده من الكلام للواقع ، وإن كان ظاهر الكلام لا يساعد عليه ؟ فعلى الأوّل يكون المورّي كاذباً ؛ لعدم مطابقة ظاهر كلامه مع الواقع . وعلى الثاني يكون صادقاً ؛ لأنّ مراده من الكلام كان مطابقاً للواقع « 2 » . فإذا قال : « اللَّه يعلم ما فعلته » وأراد ب « ما » الموصولة فظاهر الكلام لمّا كان إرادة « ما » النافية ، فيكون الكلام كذباً ؛ لأنّ اللَّه يعلم أنّه فعله . وإن أراد بها النافية يكون الكلام كذباً أيضاً ؛ لأنّ اللَّه يعلم أنّه قاله . هذا بالنسبة إلى نفس الكلام ، أمّا المتكلّم : فإن أراد ب « ما » الموصولة ، فيكون المتكلّم صادقاً في كلامه ؛ لأنّ اللَّه تعالى يعلم ما قاله ، فيكون قوله مطابقاً للواقع بحسب مراده . وإن أراد بها النافية فيكون كاذباً ؛ لأنّ اللَّه تعالى يعلم بأ نّه قد قاله . وبناءً على هذا التفصيل يمكن توجيه ذهاب بعض الفقهاء إلى كون التورية داخلة في الكذب ، وذهاب بعض آخر منهم إلى عدم كونها داخلة فيه . وفيما يلي نشير إلى جملة من القائلين بكلٍّ من القولين :
--> ( 1 ) المكاسب ( للشيخ الأنصاري ) 2 : 17 . ( 2 ) أُنظر المواهب في تحرير أحكام المكاسب ( للشيخ السبحاني ) : 584 - 587 .