الشيخ محمد علي الأنصاري
460
الموسوعة الفقهية الميسرة
فالعقل بحكمه بوجوب دفع هذا العقاب يدفع سببه وهو المعصية ، ودفع المعصية إنّما يتحقّق بالتوبة منها . وقد عبّر بعضهم « 1 » عن هذا الوجوب بالوجوب الفطري . الثاني - أنّ الندم على إتيان القبيح ، أو الإخلال بالواجب واجب ، وذلك - أي الندم - من أركان التوبة . وهناك دليل عقلي ثالث وهو : وجوب شكر المنعم عقلًا ، وشكر المولى المنعم لا يجتمع مع معصيته « 2 » . وقال الشيخ بهاء الدين العاملي : « لا ريب في وجوب التوبة على الفور ، فإنّ الذنوب بمنزلة السموم المضرّة بالبدن ، وكما يجب على شارب السُّم المبادرة إلى الاستفراغ تلافياً لبدنه المشرف على الهلاك ، كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها والتوبة منها ، تلافياً لذنبه المشرف على التهاقب « 3 » والاضمحلال » « 4 » . زمان التوبة : تقدّم في عبارة الشيخ بهاء الدين : أنّ وجوب التوبة فوري « 5 » ، وهو الظاهر من الكتاب والسنّة ، والمراد من الفوريّة هو : أنّه يجب أن يتوب المذنب إلى اللَّه تعالى فوراً ففوراً ، وهذا الزمان للتوبة مستمرٌّ إلى ما قبل آخر اللحظات من حياته ، والتي يعبّر عنها بالمعاينة . جاء في رياض السالكين : « وأمّا عند المعاينة فقد انعقد الإجماع على عدم صحّتها » « 6 » . وتدلّ على ذلك النصوص العديدة من الكتاب والسنّة . أمّا الكتاب ، فمثل : - قوله تعالى : « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ اعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً » « 7 » . - وقوله تعالى : « حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ » « 8 » .
--> ( 1 ) السيّد الحكيم في المستمسك 4 : 4 . ( 2 ) أُنظر المصدر المتقدّم . ( 3 ) كذا في المصدر ، والتهاقب : التواسع ، فهو تفاعل من الهَقْب ، وهو بمعنى السِّعة كما في لسان العرب وغيره ، فيكونمراده التواسع في التوبة وتأخيرها ، في مقابل المضايقةفيها وفوريّتها ، ولعلّ الكلمة تصحيف « التهافت » ، وهوالتساقط قطعة قطعة ، كما في الصحاح . ( 4 ) كتاب الأربعين : 238 - 239 ( 5 ) أُنظر الجواهر 33 : 168 ، وراجع عنوان « تعجيل » . ( 6 ) رياض السالكين 2 : 457 . ( 7 ) النساء : 17 - 18 . ( 8 ) يونس : 90 - 91 .