الشيخ محمد علي الأنصاري
46
الموسوعة الفقهية الميسرة
فيخلق ، ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسئلتهم ، وإعظاماً لحقّهم . . . » . ثمّ قال بعد ذكر روايةٍ عن الإمام الرضا عليه السلام حول الجبر والتفويض : الثاني - التفويض في أمر الدِّين ، وهذا أيضاً يحتمل وجهين : أحدهما - أن يكون اللَّه تعالى فوّض إلى النبيّ والأئمّة صلوات اللَّه عليهم عموماً أن يُحلّوا ماشاؤا ، ويحرّموا ماشاؤا من غير وحي وإلهام ، أو يغيّروا ما أوحى إليهم بآرائهم . ثمّ قال : وهذا باطل لا يقول به عاقل ؛ فإنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان ينتظر الوحي أيّاماً كثيرة لجواب سائل ، ولا يجيبه من عنده ، وقد قال تعالى : « وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى » « 1 » . ثانيهما - أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه بحيث لم يكن يختار من الأُمور شيئاً إلّاما يوافق الحقّ والصواب ، ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيّته سبحانه في كلّ باب ، فوّض إليه تعيين بعض الأُمور ، كالزيادة في ركعات الفرائض وتعيين النوافل من الصلاة والصيام وطعمة الجدّ وغير ذلك . . . إظهاراً لشرفه وكرامته عنده ، ولم يكن أصل التعيين إلّا بالوحي ، ولا الاختيار إلّابالإلهام ، ثمّ كان يؤكّد ما اختاره صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ، ولا فساد في ذلك عقلًا ، وقد دلّت النصوص المستفيضة عليه . . . . الثالث - تفويض أُمور الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم ، وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا ، وفيما علموا من جهة المصلحة فيه ، وما لم يعلموا . وهذا معنى حقّ ، دلّت عليه الآيات والأخبار وأدلّة العقل . الرابع - تفويض بيان العلوم والأحكام إليهم بما أرادوا ورأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم وأفهامهم « 2 » ، أو بسبب التقيّة ، فيفتون بعض الناس بالأحكام الواقعيّة ، وبعضهم بالتقيّة . ويسكتون عن جواب بعضهم للمصلحة ، ويجيبون في تفسير الآيات وتأويلها ، وبيان الحِكَم والمعارف بحسب مايحتمله عقل كلّ سائل . . . . والتفويض بهذا المعنى حقٌّ ثابت بالأخبار المستفيضة ، وتشهد له الأدلّة العقليّة أيضاً . الخامس - الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة ، أو بعلمهم ، أو بما يلهمهم اللَّه تعالى من الواقع ومخّ الحقّ في كلّ واقعة . وهذا قد دلّت عليه بعض الأخبار . السادس - التفويض في الإعطاء والمنع . . . فلهم عليهم السلام أن يُعطوا من شاؤوا وأن يمنعوا من شاؤوا . وهذا المعنى أيضاً حقٌّ يظهر من كثير من الأخبار . ثمّ قال - أي المجلسي - بعد ذكر هذه
--> ( 1 ) النجم : 3 و 4 . ( 2 ) أي اختلاف عقول الناس وأفهامهم .