الشيخ محمد علي الأنصاري
366
الموسوعة الفقهية الميسرة
وأمّا كفر المنجّم ، فلا تدلّ عليه . - ما أجاب أمير المؤمنين عليه السلام بعض من طلب منه ترك المسير إلى الخوارج لما استنبطه من علم النجوم من خشية عدم الظفر ، فقال : « أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي مَن سار فيها صُرِف عنه السوء ؟ وتخوِّف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضرّ ؟ فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة باللَّه في نيل المحبوب ودفع المكروه . . . الخ » . ثمّ أقبل عليه السلام على الناس ، فقال : « أيّها الناس ، إيّاكم وتعلّم النجوم ، إلّاما يهتدى به في برٍّ أو بحر ، فإنّها تدعو إلى الكهانة ، والمنجّم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار ، سيروا على اسم اللَّه » « 1 » . والرواية تدلّ على استحقاق المنجّم للنار كما يستحقّه الكافر . ولازم ذلك حرمة التنجيم ؛ لأنّ سبب الدخول في النار لا يكون إلّاارتكاب الفعل الحرام . وأمّا كون المنجّم كافراً ، فلا يستلزمه ، لأ نّه عليه السلام قال : « المنجّم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر » ، فالمنجّم - بحذف الواسطة - كالكافر ، ولم يقل : كافر . ولذلك لابدّ من حمل أمثال هذه الروايات على التنجيم الحرام الذي لم يكن مستلزماً للكفر ، كما سيأتي . - رواية عبد الملك بن أعين ، قال : « قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : إنّي قد ابتليت بهذا العلم فأُريد الحاجة ، فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشرّ ، جلست ولم أذهب فيها ، وإذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة ، فقال لي : تقضي ؟ قلت : نعم ، قال : احرق كتبك » « 2 » . وفي الرواية تفصيل بين مجرّد النظر ، والعمل طبق ما يصل إليه من النظر ، فظاهر الرواية أنّ الحرام هو الثاني . ولابدّ من حملها على غير الصورة التي نحن بصددها ، وهي المستلزمة لإنكار الذات المقدّسة أو توحيدها ، كما هو ظاهر للمتأمّل . أقول : لا يحتاج الاستدلال على كفر المنجّم من هذا القسم ، وهو الذي يعتقد بتأثير الكواكب في الأُمور الأرضيّة استقلالًا أو بالمشاركة ، بحيث يستلزم منه إنكار استقلاليّة اللَّه تعالى في التصرّف ، على هذه الروايات وأمثالها ، بل نفس الاعتقاد المستلزم لذلك موجب للكفر ، كما تقدّم التصريح بذلك في عبارات الفقهاء المتقدّمة ، خاصّة البهائي والأردبيلي ، لأنّه إمّا مستلزم لإنكاره أو جعل الشريك له ، تعالى عن ذلك علوّاً كثيراً .
--> ( 1 ) نهج البلاغة : 105 / الخطبة 79 . ( 2 ) الوسائل 11 : 370 ، الباب 14 من أبواب آداب السفر ، الحديث الأوّل ، وقريب منه ما رواه أيضاً في الوسائل 11 : 371 ، الحديث 4 .