الشيخ محمد علي الأنصاري
149
الموسوعة الفقهية الميسرة
فالرواية ظاهرة في جواز شرب المسكر تقيّة ، وإن أمر عليه السلام كسره بالماء ليخفّ أثره الوضعي وهو الإسكار . - الرواية التي ذكرت قصّة الكميت ، بناءً على أحد التفسيرين ، التي يقيس فيها الإمام شعر الكميت في مدح بني أميّة بشرب الخمر في جواز التقيّة فيه « 1 » . فهاتان طائفتان من الروايات ، إحداهنّ تجوّز التقيّة في الثلاثة المذكورة ، والأُخرى لا تجوّزها ، فتقع بينهما المعارضة . ويعضد المجوّزة الإطلاقات والعمومات الواردة في جواز التقيّة . وهناك بعض المحاولات لرفع هذا التعارض ، وهي : المحاولة الأُولى - استظهار اختصاص عدم التقيّة فيها بالأئمّة عليهم السلام : ذكر هذه المحاولة جملة من الفقهاء « 2 » ، وحاصلها : أنّ ظاهر صحيحة زرارة الأُولى - وهي التي جاء فيها : « ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً » - أنّ هذا الحكم مختصٌّ بالإمام عليه السلام . وأمّا الصحيحة الثانية له والتي جاء فيها : « لايُتّقى في ثلاثة » فقد استظهر السيّد الخوئي وحدتها مع الأُولى وذكر عن نسخة الوافي أنّ العبارة فيها : « لا نتّقي » وهي مثل : « لا أتّقي » لأنّهم كلّهم عليهم السلام بمنزلة شخصٍ واحدٍ . هذا مضافاً إلى وحدة السند في الروايتين ، وأُمور أُخر استشهد بها السيّد الخوئي على ذلك « 3 » . فإذا كان عدم التقيّة فيها من مختصّات الأئمّة عليهم السلام ، فالروايات المشتملة على عدم جواز التقيّة فيها لا تعارض - عندئذٍ - الروايات الدالّة على جوازها فيها بالنسبة إلى غيرهم عليهم السلام . أقول : الشواهد التاريخيّة تدلّ على عدم تقيّة الأئمّة في هذه الثلاثة ، خاصّة في شرب الخمر « 4 » .
--> ( 1 ) تقدّمت في الصفحة 147 . ( 2 ) أُنظر : مستند الشيعة 2 : 131 - 132 ، والجواهر 2 : 237 ، وكتاب الطهارة ( للشيخ الأنصاري ) 2 : 280 ، ومصباحالفقيه ( الحجريّة ) 1 : 164 ، والتنقيح ( الطهارة ) 4 : 249 250 ، وغيرها . ( 3 ) أُنظر التنقيح 4 : 249 - 250 . ( 4 ) من ذلك ما نقله المسعودي ، عن محمّد بن عرفة النحوي ، عن محمّد بن يزيد المبرّد ، قال : « وقد كان سُعي بأبي الحسن علي بن محمّد إلى المتوكّل ، وقيل له : إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته ، فوجّه إليه ليلًا من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلةٍ ممّن في داره ، فوجده في بيتٍ وحده مغلق عليه ، وعليه مِدرعة من شعر ، ولا بساط في البيت إلّاالرمل والحصى ، وعلى رأسه ملحفة من الصوف ، متوجّهاً إلى ربّه يترنّم بآياتٍ من القرآن في الوعد والوعيد ، فأُخذ على ما وُجد عليه وحمل إلى المتوكّل في جوف الليل ، فَمَثُل بين يديه والمتوكّل يشرب وفي يده كأس ، فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيءٌ ممّا قيل فيه ، ولا حالة يتعلّل عليه بها ، فناوله المتوكّل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني منه ، فعافاه . وقال أنشدني شعراً استحسنه ، فقال : إنّي لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لابدّ أن تنشدني ، فأنشده : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عزٍّ عن معاقلهم * فأُودعوا حفراً ، يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرّة والتيجان والحُلل إلى آخر الأبيات » . وفي الرواية : « واللَّه لقد بكى المتوكّل بكاءً طويلًا حتى بلّت دموعه لحيتَه ، وبكى من حضره ، ثمّ أمر برفع الشراب » . مروج الذهب 4 : 10 - 12 . والشواهد من هذا القبيل متعدّدة لا تنحصر بهذا المورد .