الشيخ محمد علي الأنصاري
137
الموسوعة الفقهية الميسرة
ولكن روي عن الحسن ، أنّه قال : التقيّة جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة « 1 » . قال الرازي بعد نقل ذلك : « وهذا القول أولى ؛ لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان » « 2 » . وأمّا عند الإماميّة فهي من مسلّمات مذهبهم ، بل أصلها من ضروريّاته كما قيل « 3 » . رابعاً - قاعدة الاضطرار : تقدّم في عنوان « اضطرار » : أنّ مناشئ الاضطرار إلى ارتكاب الحرام ، أو ترك الواجب هي : الإكراه على ذلك ، أو التقيّة ، أو لزوم الضرر ، أو اقتضاء الضرورة ، وقد وضّحناها هناك . والمهمّ أنّ إحدى مناشئ الاضطرار التقيّة ، فلو اضطرّ الإنسان إلى مخالفة التكليف وموافقة الظالم والجائر فيجوز له ذلك إجمالًا ؛ لقاعدة الاضطرار ، التي دلّ عليها الكتاب والسنّة ، مثل قوله تعالى : « إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » « 4 » ، وآيات أُخر « 5 » . ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « رفع عن أُمّتي تسع : الخطا ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ( الخلوة ) ما لم ينطق بشفة » « 6 » . واستدلّ عليها مضافاً إلى ذلك بقاعدة « نفي الضرر » « 7 » التي تنفي الحكم الضرري ، فإذا ترتّب على حكمٍ ضررٌ فيكون منفيّاً بهذه القاعدة ، ولذلك لو ترتّب على الإتيان بالتكليف ضرر على الإنسان ، فيرتفع ذلك التكليف « 8 » . هل التقيّة مشروعة بالنسبة إلى الأنبياء ؟ قد يقال : التقيّة غير مشروعة بالنسبة إلى الأنبياء ؛ لأنّها تسلب ثقة الناس بهم ، إذ يحتمل أن يكون ما يصدر عنهم إنّما هو على وجه التقيّة ، فلا يكون فعله لعملٍ ما دليلًا على مشروعيّة ذلك العمل . ولأجل تفهّم الموضوع نرى من اللازم أن
--> ( 1 ) أُنظر : التفسير الكبير 8 : 13 ، وتفسير القرطبي 4 : 57 . ( 2 ) التفسير الكبير 8 : 13 . ( 3 ) قال في الجواهر 2 : 236 : « أصل التقيّة من ضروريّاتمذهب الشيعة » . ( 4 ) البقرة : 173 . ( 5 ) أُنظر الآية : 3 من سورة المائدة ، و 119 من سورة الأنعام . ( 6 ) الخصال : 417 ، باب التسعة ، الحديث 9 ، والوسائل 15 : 369 ، الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل . ( 7 ) هذه القاعدة مستفادة من الأدلّة - الآيات والرواية - السابقة ، راجع عنوان « اضطرار / قاعدة الاضطرار » . ( 8 ) أُنظر التنقيح ( الطهارة ) 4 : 254 ، وفيه : « وأمّا التقيّة بالمعنى الأعمّ فهي في الأصل محكومة بالجواز والحلّية . وذلك لقاعدة نفي الضرر ، وحديث رفع ما اضطرّوا إليه . . . » .