الشيخ محمد علي الأنصاري

134

الموسوعة الفقهية الميسرة

فيظهر لهم الموافقة ، ويبطن لهم المخالفة ؛ دفعاً للضرر عن نفسه . فالآية صريحة في جواز التقيّة ومشروعيّتها إجمالًا وبذلك صرّح المفسّرون « 1 » . 2 - قوله تعالى : « مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ » « 2 » . روي في شأن نزول الآية : « أنّ المشركين أكرهوا جماعة ممّن أسلم ، على الارتداد وإظهار الكفر ، فقاوم بعضهم ولم يفعل ذلك ، منهم والدي عمار : ياسر وسميّة ، فلم يُظهرا الكفر والنيل بالنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقُتلا تحت التعذيب ، وهما أوّل قتيلين‌في الإسلام . وأمّا عمّار فأظهر بعض ما أرادوا منه ، فقيل : يا رسول اللَّه إنّ عمّاراً كفر ، فقال : كلّا ، إنّ عماراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمّار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي ، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عينيه ويقول : « مالك ؟ ! إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت » « 3 » . وذلك صريح في جواز مخالفة الحقّ عند الإكراه ، بل وحتى لو قلنا : بأنّ الإكراه يفترق عن التقيّة في بعض الجهات ، إلّاأنّ ملاك الجواز فيهما واحد « 4 » . وذكروا وجوهاً أُخر في شأن نزول الآية تشترك معها في النتيجة ، وإنّما الاختلاف بينها في الأشخاص . 3 - قوله تعالى : « وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ » « 5 » . وهي ظاهرةٌ في أنّ هذا الرجل الذي كان من آل فرعون ، كان مؤمناً باللَّه وبِدِين موسى في الباطن ، وإن لم يظهر إيمانه لمصلحةٍ من خوف أو غيرها ، وكتمان الإيمان وإظهار خلافه هو معنى التقيّة . وربّما يقال : بأنّ ذلك كان في دِين موسى عليه السلام ، فما الدليل على جوازه في دِينِنا ؟ والجواب : أنّ الأصل الاشتراك بين الأديان ،

--> ( 1 ) أُنظر كتب التفسير في ذيل الآية الشريفة 28 / آل‌عمران ، ومنها : التبيان في تفسير القرآن 2 : 435 ، ومجمع‌البيان ( 1 - 2 ) : 429 ، والتفسير الكبير 8 : 13 ، وأنوارالتنزيل ( تفسير البيضاوي ) 1 : 155 ، والكشّاف 1 : 351 ، ومعالم التنزيل 1 : 449 . ( 2 ) النحل : 106 . ( 3 ) أُنظر كتب التفسير ذيل الآية المذكورة ، ومنها : التبيان في تفسير القرآن 6 : 428 ، ومجمع البيان ( 5 - 6 ) : 387 - 388 ، والتفسير الكبير ( 19 - 20 ) : 120 ، وأنوار التنزيل 1 : 571 ، والكشّاف 2 : 636 . ( 4 ) أُنظر القواعد الفقهيّة ( للشيرازي ) 1 : 393 . ( 5 ) غافر ( مؤمن ) : 28 .