الشيخ محمد علي الأنصاري
518
الموسوعة الفقهية الميسرة
عندئذ بكونه مخيّرا بين الفعل والترك عقلا أو شرعا ؟ وهل تجري الأصول العمليّة في أطراف هذا العلم الإجمالي أم لا ؟ اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال ، ولكن قبل بيان الأقوال في المسألة لا بدّ من بيان صور المسألة المبحوث عنها . تحديد محلّ البحث وبيان صور المسألة : تقدّم أنّ مورد البحث هو ما لو علم فيه جنس التكليف ، ولم يمكن فيه الاحتياط ، وهو المعبّر عنه ب « دوران الأمر بين المحذورين » . مثاله كما تقدّم ، ما لو علم جنس التكليف وهو الإلزام ، لكن لم يعلم هل الإلزام تعلّق بالفعل أو الترك . وهذا تارة يكون في الأمرين التوصّليين ، أي الذين لم تكن حاجة إلى قصد القربة فيهما . وأخرى يكون في الأمرين التعبّديين ، أو أحدهما تعبّدي والآخر توصّلي . وفي كلا الحالتين ، تارة تكون الواقعة واحدة ، وأخرى متعدّدة . المورد الأوّل - إذا دار الأمر بين الأمرين التوصليّين وكانت الواقعة واحدة : مثاله : ما لو علمنا إجمالا بوجوب شرب ما في هذا الإناء أو حرمته . فهنا لمّا لم يخل المكلّف تكوينا من الفعل - وهو الشرب - أو الترك - وهو ترك الشرب - فلم تمكن الموافقة القطعيّة ، ولا المخالفة القطعيّة ؛ فيدور الأمر بين محذورين ، وهما : - مخالفة وجوب الشرب ، وذلك بترك الشرب . - ومخالفة حرمة الشرب ، وذلك بالشرب . فالمحذوران هما : الشرب وتركه ، والمكلّف لم يخل منهما ، أراد أو أبا ، وهذا ممّا لا كلام فيه . وإنّما الكلام في أنّه هل يجوز إسناد هذا التخيير إلى العقل أو الشرع ، فيقال : المكلّف مخير عقلا أو شرعا بين فعل الشرب وتركه ؟ وهل يجوز إجراء الأصول العملية من البراءة والإباحة ونحوهما في الطرفين ، أم لا ؟ للأصوليين خمسة أقوال في هذا المجال ، وهي : القول الأوّل - جريان البراءة الشرعيّة والعقليّة في الطرفين : ذهب إليه السيّد الخوئي ، وعلّله بقوله : « لعموم أدلّة البراءة الشرعيّة ، وعدم ثبوت ما يمنع عن شمولها ، ولحكم العقل بقبح العقاب على خصوص الوجوب أو الحرمة ، للجهل به ، الموجب لصدق عدم البيان » « 1 » .
--> ( 1 ) موسوعة الإمام الخوئي 47 : 382 ، وانظر فرائد الأصول 2 : 178 - 179 .