الشيخ محمد علي الأنصاري

509

الموسوعة الفقهية الميسرة

الحكم الذي يلزم المكلّف ، فتكون الأمارة سببا لجعل الحكم الواقعي ، فعلى ذلك يختص الحكم الواقعي بالعالم به ، فلا يشمل الجاهل ، لعدم قيام الأمارة عليه عنده . قال الآمدي : « المسألة الظنيّة من الفقهيّات إمّا أن يكون فيها نصّ ، أو لا يكون ، فإن لم يكن فيها نص ، فقد اختلفوا فيها ، فقال قوم : كلّ مجتهد فيها مصيب وإنّ حكم اللّه فيها لا يكون واحدا ، بل هو تابع لظنّ المجتهد ، فحكم اللّه في حق كلّ مجتهد ما أدّى إليه اجتهاده ، وغلب على ظنّه . . . » . ثم قال : « وأما إن كان في المسألة نصّ ، فإن قصّر في طلبه فهو مخطئ . . . وإن لم يقصر فيه . . . فلا إثم ، لعدم تقصيره ، وهل هو مخطئ أو مصيب ؟ ففيه من الخلاف ما سبق » « 1 » . ونسب هذا القول إلى القاضي أبي بكر ، وأبي الهذيل ، والجبّائي وابنه . وممّن اختاره الغزّالي حيث قال : « هل في الواقعة التي لا نصّ فيها ، حكم معيّن للّه تعالى هو مطلوب المجتهد ؟ فالذي ذهب إليه محقّقوا المصوّبة أنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظن ، بل الحكم يتبع الظن ، وحكم اللّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه ، وهو المختار ، وإليه ذهب القاضي » « 1 » . الاستدلال على هذا التفسير : أطال الغزالي في الاستدلال على هذا التفسير للتصويب ، وخلاصة ما قاله هو : أنّ المسألة : إمّا أن يرد فيها نصّ أو لا . فعلى الأوّل - إمّا أن يكون قطعيّا ، بمعنى أن يقوم عليه دليل قاطع ، أو لا . فعلى الأوّل - أي ما لو كان عليه دليل قاطع - لا يصير حكما في حقّ المجتهد إلّا إذا بلغه ، أو كان العثور عليه سهلا ، لو طلبه ولم يقصّر في طلبه . وأمّا إذا لم يقم عليه دليل قاطع - أي قام عليه دليل غير قاطع - فقبل البلوغ وتيسّر الطريق ليس حكما في حقّه بالفعل ، بل بالقوّة ، نعم يكون حكما بعد البلوغ . وإذا لم يرد في المسألة نصّ ، فلا حكم فيها ، لأنّ حكم اللّه تعالى خطابه ، وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول ، أو يدلّ عليه دليل قاطع من فعل النبي صلّى اللّه عليه وآله . أو سكوته . . . فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه ، فكيف يكون فيه حكم ؟ إذ لا يعقل خطاب لا مخاطب به ، كما لا يعقل علم لا معلوم له ، وقتل لا مقتول له ، ويستحيل أن يخاطب

--> ( 1 ) الإحكام ( للآمدي ) 3 - 4 : 413 - 414 . 1 المستصفى ( للغزالي ) 2 : 363 .