الشيخ محمد علي الأنصاري
365
الموسوعة الفقهية الميسرة
أكثرها أنّه صلّى اللّه عليه وآله لم ينو الإمامة وإنّما اقتدى به الناس من تلقاء أنفسهم ، كما هو صريح روايات الإماميّة وظاهر رواية زيد بن ثابت وعائشة من روايات أهل السنّة ، فإنّه جاء في رواية زيد : « احتجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حجيرة . . . يصلّي بها . . . فتتبّع إليه رجال » . فإنّ اتّخاذ حجيرة للصلاة لا يناسب نيّة الإمامة فيها ، وإنّما اتّخذها للصلاة فيها منفردا ، مضافا إلى قوله : « فتتبّع إليه رجال » أي لمّا رأوا النبي صلّى اللّه عليه وآله قصدوه وتبعوه في فعله . وكذا ما جاء في رواية عائشة : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خرج من جوف الليل فصلّى في المسجد ، فصلّى رجال بصلاته . . . » . فإنّ ظاهر الرواية أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله خرج ليصلّي النافلة منفردا ، ثمّ جاء رجال فصلّوا بصلاته . ويؤيّد ما ذكرناه استفادة بعضهم صحّة الجماعة مع عدم نيّة الإمام الإمامة من رواية عائشة ومثيلاتها « 1 » . ثانيا - أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله - كما صرّحت به أكثر الروايات - لم يخرج في الليلة الثالثة أو الرابعة من الليالي التي خرج فيها ، فلم يداوم على ما حدث في الليالي السابقة ، واختلفت الروايات في تعليل ذلك ، ففي روايات الإماميّة : أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله أعلن لهم أنّ النافلة لا تصلّى جماعة . وفي رواية عائشة : أنّ سبب عدم دوامه صلّى اللّه عليه وآله على ذلك إنّما كان خوفه من فرض الجماعة في نافلة شهر رمضان عليهم ، أو فرض نافلة شهر رمضان جماعة ، أو فرض صلاة الليل عليهم . وأمّا في رواية زيد ، فالعلّة هي أمران : 1 - ما ورد في رواية عائشة من خوف الفرض على الناس . 2 - إنّ خير صلاة المرء في بيته إلّا الصلاة المكتوبة . والتعليل الثاني لم يرد - مع الأسف - في رواية عائشة ومثيلاتها ، في حين إنّه يبيّن لنا حقيقة الأمر ، وهي : أنّ النوافل تصلّى فرادى وفي البيوت ، ويؤيّده ما ورد عنه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « صلّوا في بيوتكم ولا تتّخذوها قبورا » « 1 » ، أي اجعلوا سهما من الصلاة في البيوت ، ولا تصيّروها كالمقابر لا يصلّى فيها . والتعليل الثاني يتلائم مع ما ورد في روايات الإمامية عن أهل البيت عليهم السّلام ، كما تقدّم . ولذلك كان الأمر كذلك في أخريات حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله التي شرّعت فيها نوافل شهر رمضان - كما يبدو - إلى أن توفّي صلّى اللّه عليه وآله ، وكان الأمر كذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، حتى جمع
--> ( 1 ) انظر فتح الباري في شرح البخاري ( لابن حجر ) 4 : 219 ، وشرح مسلم ( للنووي ) 6 : 41 . 1 انظر سنن الترمذي 2 : 313 ، كتاب الصلاة ، باب فضل صلاة التطوّع في البيت ، الحديث : 451 .