الشيخ محمد علي الأنصاري
562
الموسوعة الفقهية الميسرة
الظلم عند العقلاء ؛ نظرا إلى أنّ مخالفة ما قامت عليه الحجّة خروج عن زيّ الرقّية ورسم العبوديّة ، وهو ظلم من العبد على مولاه ، فيستحقّ منه الذمّ والعقاب ، كما أنّ مخالفة ما لم تقم عليه الحجّة ليست من أفراد الظلم ؛ لأنّها ليست خروجا عن زيّ الرقيّة « 1 » . فالقاعدة - إذن - على هذا الرأي تكون عقلائيّة ؛ لأنّ الإصفهاني يرجع الحسن والقبح العقليّين إلى الأحكام العقلائيّة المتبلورة في القضايا المشهورة ، وهي عبارة عمّا تطابق عليه آراء العقلاء . والحاصل : أنّ القاعدة إمّا من المستقلّات العقليّة والسيرة كاشفة عنها ، أو من الأحكام العقلائيّة . الجهة الثانية - ملاحظة القاعدة مع قاعدة « لزوم دفع الضرر المحتمل » : والمقصود من قاعدة « لزوم دفع الضرر المحتمل » حكم العقل بلزوم دفع الضرر الدنيوي والأخروي المحتمل « 2 » . وعلى ذلك قد يقال : إنّ هذه القاعدة تعدّ بيانا وبها يرتفع موضوع « قبح العقاب بلا بيان » ، فكلّ مورد يحتمل فيه العقاب يلزم دفعه ، وعندئذ لا يبقى مورد لجريان البراءة . لكن أورد على ذلك : أوّلا - ما ذكره الشيخ الأنصاري : من أنّ القاعدة المذكورة لو كانت تامّة فهي قاعدة مستقلّة تستوجب مخالفتها عقوبة مستقلّة وإن لم يكن هناك تكليف واقعا ، فليس العقاب على مخالفة التكليف الواقعي المحتمل لو كان موجودا . وعليه لا تكون القاعدة بيانا للحكم الواقعي المحتمل كي يرتفع بها موضوع قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » ، بل على العكس من ذلك ، فإنّ قاعدة « قبح العقاب بلا بيان » واردة على قاعدة « لزوم دفع الضرر » ؛ وذلك لأنّ هذه القاعدة فرع احتمال الضرر - وهو العقاب - ولا احتمال للضرر بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان . نعم يحتمل الضرر فيما إذا ثبت التكليف لكن تردّد بين موردين أو أكثر ، فارتكاب كلّ مورد يحتمل فيه الضرر « 1 » . ثانيا - ما ذكره صاحب الكفاية وفصّله النائيني ، وحاصل كلامهما بتفصيل النائيني هو : أنّ الضرر المحتمل لا يخلو من أن يكون : ضررا دنيويا ، أو أخرويّا ، أو الابتلاء بترك المصلحة والوقوع في المفسدة . أمّا الضرر الدنيوي ، فلا يستقلّ العقل بلزوم دفعه ، بل قد يتحمّله الإنسان لبعض الدواعي ،
--> ( 1 ) انظر نهاية الدراية 4 : 83 - 84 . ( 2 ) يرى الإصفهاني أنّ هذه القاعدة ليست عقليّة ولا عقلائيّة ، بل هي أمر طبعيّ جبلّي لكلّ ذي شعور ، حيث يفرّ من الضرر الذي يحتمله ؛ لأنّه يحبّ ذاته . انظر نهاية الدراية 4 : 91 . 1 انظر فرائد الأصول 2 : 56 .