الشيخ محمد علي الأنصاري
40
الموسوعة الفقهية الميسرة
فإن كان المراد من الإرادة في الآية هي التشريعيّة ، فنقول : لا حاجة إلى حصرها في أهل البيت عليهم السّلام ؛ لأنّ إرادته تعالى التشريعيّة قد تعلّقت بطهارة جميع أفراد الإنسان ، بمعنى أنّه تعالى أراد - بالإرادة التشريعيّة - من جميع بني آدم أن يتطهّروا من الأرجاس المعنويّة والظاهرية الماديّة معا . إذن لا بدّ من أن تكون إرادته فيها إرادة تكوينيّة ، بمعنى أنّه تعالى أراد تطهيرهم من الرجس تكوينا ، وهذا المعنى يمكن اختصاصه بطائفة من الناس ؛ لعدم تعلّق إرادته التكوينيّة بإذهاب الرجس من جميع الناس قطعا . والحاصل : أنّه تعالى أراد بالإرادة التكوينيّة إذهاب الرجس عن أهل البيت عليهم السّلام ، بمعنى أنّه تعالى خلقهم مطهّرين من الأرجاس والآثام ، وهو معنى العصمة . ولمّا كانت « إنّما » تفيد الحصر ، فهذه الإرادة تكون مخصوصة بأهل البيت عليهم السّلام دون غيرهم . وإلى ذلك كلّه أشار الطبرسي في مجمع البيان قائلا : « لا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس ، ولا يجوز الوجه الأوّل ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أراد من كلّ مكلّف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ؛ ولأنّ هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شكّ وشبهة ، ولا مدح في الإرادة المجرّدة ، فثبت الوجه الثاني ، وفي ثبوته عصمة المعنيّين بالآية من جميع القبائح ، وقد علمنا : أنّ من عدا من ذكرناه من أهل البيت غير مقطوع على عصمته ، فثبت أنّ الآية مختصّة بهم ؛ لبطلان تعلّقها بغيرهم » « 1 » . تفسير العصمة وتوجيهها : والمراد من عصمتهم عليهم السّلام هو : أنّ اللّه تعالى منحهم العلم بما يترتّب على المعاصي من مفاسد وأضرار ، فيوجب فيهم اعتقادا راسخا بلزوم مفارقتها مع قدرتهم على إتيانها تكوينا . والعصمة بهذا المعنى موجودة في جميع الأفراد وإنّما الاختلاف في مراتبها ، ففي بعض الأفراد تكون محدودة ومختصّة ببعض الأمور ، وفي بعض آخر تكون دائرتها أوسع ، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى العصمة والمناعة المطلقة « 2 » .
--> ( 1 ) مجمع البيان ( 7 - 8 ) : 357 . ( 2 ) قال السيّد المرتضى ضمن الكلام عن العصمة : « وأصل العصمة في وضع اللغة : المنع ، يقال : عصمت فلانا من السوء : إذا منعت من حلوله به ، غير أنّ المتكلّمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله اللّه تعالى به ؛ لأنّه إذا فعل به ما يعلم أنّه يمتنع عنده من فعل القبيح ، فقد منعه منه ، فأجروا عليه لفظ المانع قسرا أو قصرا ، وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا ويستعملونه ؛ لأنّهم يقولون في من أشار على غيره برأي فقبله منه مختارا واحتمى بذلك من ضرر يلحقه وسوء يناله : إنّه حماه من ذلك الضرر ، ومنعه وعصمه منه ، وإن كان ذلك على سبيل الاختيار . فإن قيل : أفتقولون في من لطف له بما اختار عنده -