الشيخ محمد علي الأنصاري

124

الموسوعة الفقهية الميسرة

ويؤيّد هذا الطريق : جريان قاعدة الطهارة في حقّهم ، وقوله تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ « 1 » . لكن حمل الطعام في الروايات « 2 » وكلمات بعض الفقهاء « 3 » على الحبوب ، مثل العدس والحنطة والشعير ، وعلى البقول . بل قال بعضهم « 4 » : إنّ إطلاق الطعام في عرف أهل الحجاز ينصرف إلى البرّ خاصّة ، يستشهدون لذلك بحديث أبي سعيد : « كنّا نخرج زكاة الفطرة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله صاعا من طعام أو صاعا من كذا . . . » « 5 » . وردّ بأنّ الظاهر من الحبوب في الروايات هو ما يقابل اللحوم ، لا خصوص الحبوب الجافّة ؛ إذ لا خصوصيّة لأهل الكتاب في ذلك « 6 » ، ويشهد له ما جاء في تفسير القمّي - والظاهر أنّه من تتمّة رواية الحضرمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام - : « . . . قال : عنى بطعامهم الحبوب والفاكهة غير الذبائح التي يذبحونها ، فإنّهم لا يذكرون اسم اللّه على ذبائحهم ثمّ قال : واللّه ما استحلّوا ذبائحكم ، فكيف تستحلّون ذبائحهم ؟ » « 1 » . ويظهر من الرواية أنّ النكتة في تحريم طعامعهم وجود اللحم غير المذكّى فيه ، فإذا لم يوجد فيه لحم ، فلا بأس به ، وهذا المعنى هو الذي فهمه الطبرسي من الآية أيضا ، حيث قال في تفسيرها : « وقيل : إنّه مختصّ بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية ، وهو المروي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام . . . » « 2 » . ومال إلى هذا الجمع جملة من الفقهاء ، أمثال : 1 - الشهيد الثاني ، حيث قال بعد سرد روايات النجاسة ثمّ الطهارة : « ولا يخفى أنّ دلالتها على الطهارة أوضح من دلالة الروايات الدالّة على النجاسة ، بل هي دالّة على الكراهة . . . » « 3 » . 2 - وربّما يظهر ذلك من ولده صاحب المعالم لقوله : « ثمّ إنّ مصير جمهور الأصحاب إلى القول بالتنجيس مقتض للاستيحاش في الذهاب إلى خلافه » « 4 » . 3 - المحقّق الأردبيلي ، فإنّه قال : « . . . وأمّا

--> ( 1 ) المائدة : 5 . ( 2 ) انظر الوسائل 24 : 203 ، الباب 51 من أبواب الأطعمة المحرّمة ، فإنّ فيه عدّة روايات تفسّر الطعام في الآية بالحبوب والبقول وأشباههما . ( 3 ) انظر : الحدائق 5 : 171 ، والجواهر 6 : 43 - 44 . ( 4 ) انظر الحدائق 5 : 171 ، وغيره ، ونقل عن اللغويّين انصراف إطلاق الطعام إلى الحنطة . ( 5 ) تيسير الوصول 2 : 130 . ( 6 ) انظر المستمسك 1 : 376 . 1 تفسير القمّي 1 : 171 . وانظر : مجمع البيان ( 3 - 4 ) : 162 - ويظهر منه : أنّ حلّية طعام الكتابي إذا لم يحتج إلى التذكية أمر مفروغ منه - ونور الثقلين 2 : 197 . 2 مجمع البيان ( 3 - 4 ) : 162 . 3 المسالك 12 : 89 . 4 معالم الدين ( قسم الفقه ) 2 : 538 .