الشيخ محمد علي الأنصاري
497
الموسوعة الفقهية الميسرة
صاحب الكفاية على الاطّراد ، ويفهم منه أنّ تصوّر صاحب الكفاية عن الاطّراد هو المعنى الثالث ، ثمّ قال - أي السيّد الصدر - : « وهذا الاعتراض متّجه » . وأمّا اعتراض صاحب الكفاية على الاطّراد فمعروف ، وحاصله : أنّ الاطّراد كما يكون في استعمال اللفظ في معناه الحقيقي يكون في استعماله في معناه المجازي أيضا ، فلا يكون علامة على الحقيقة . بيان ذلك : أنّه بعد ملاحظة وجه الشبه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، كالشجاعة المشتركة بين الأسد والرجل الشجاع ، فيكون استعمال لفظ « الأسد » في الرجل الشجاع مطّردا ولو على نحو المجاز . ونقل صاحب الكفاية عن بعضهم محاولة دفع الإشكال بإضافة قيد إلى تعريف الاطّراد ، وهو عبارة « على وجه الحقيقة » ، فبهذا القيد يخرج الاطّراد في المعنى المجازي عمّا نحن بصدده . لكن استشكل على ذلك أيضا : بأنّه يلزم الدور ؛ لأنّ معرفة المعنى الحقيقي تتوقّف على الاطّراد ، وعلامية الاطّراد للمعنى الحقيقي تتوقّف - بحسب القيد المذكور - على معرفة المعنى الحقيقي « 1 » . ولهم محاولات لدفع إشكال الدور ، تراجع فيها المطوّلات . أقول : لكن لا ظهور لكلام صاحب الكفاية في المعنى الثالث ، نعم الذي له ظهور في هذا المعنى - بل هو صريح فيه - هو كلام الإصفهاني حيث قال ما حاصله : أنّه إذا اطلق لفظ باعتبار معنى كلّي على فرد يقطع بعدم كون ذلك الفرد - من حيث كونه فردا لذلك الكلّي - من المعاني الحقيقية لذلك اللفظ ، لكن يشكّ في أنّ المعنى الكلّي من المعاني الحقيقيّة أم لا ؟ فإذا كانت صحّة إطلاق اللفظ على ذلك المعنى الكلّي مطّردة كشفت عن كونه حقيقة فيه ، وإلّا فلا . مثاله : لو شاهدنا أنّ لفظ « الأسد » يستعمل في مفهوم « الحيوان المفترس » ، وشاهدنا صحّة إطلاق لفظ « الأسد » على الذئب ؛ لا لأنّ الذئب من أفراد الأسد للقطع بعدمه ، بل لكونه من أفراد الحيوان المفترس ، واطّرد هذا الاستعمال - أي استعمال لفظ الأسد في أفراد الحيوان المفترس كالنمر والفهد وغيرهما - لكشف عن كون استعمال الأسد في المعنى الكلّي - وهو الحيوان المفترس - على وجه الحقيقة لا المجاز . وهذا بخلاف مفهوم « الشجاع » ، فإنّ « الأسد » يستعمل في بعض أفراد هذا المفهوم الكلّي ، وهو « الرجل الشجاع » مثلا ، ولا يستعمل في بعض أفراده الاخر ، مثل « النملة الشجاعة » مثلا ، فيعلم أنّ مفهوم « الشجاع » ليس معنى حقيقيا للأسد ، لعدم اطّراد استعماله فيه « 1 » . وقد جعل الإمام الخميني هذا الوجه في تفسير الاطّراد من أمتن الوجوه ، لكن أرجعه
--> ( 1 ) كفاية الأصول : 20 ، الأمر السابع من الأمور العامّة في المقدّمة . 1 نهاية الدراية 1 : 84 ، وانظر محاضرات في أصول الفقه 1 : 129 .