الشيخ محمد علي الأنصاري
135
الموسوعة الفقهية الميسرة
وقعت قطرات من ماء الغسل في الإناء الذي يغتسل منه : « ومن البديهي أنّ نضح قطرات يسيرة في ماء الإناء لا يوجب صدق عنوان " الماء المستعمل " عليه ؛ لاستهلاك القطرات في ضمنه ، وهذا لا بمعنى استهلاك الماء في الماء ، فإنّ الشيء لا يستهلك في جنسه - بل يوجب ازدياده - بل بمعنى أنّه يوجب ارتفاع عنوانه ، فلا يصدق على ماء الإناء أنّه ماء مستعمل » « 1 » . والمقصود بالبحث هنا هو الاستهلاك بالمعنى الثالث ، وهو تفرّق أجزاء المستهلك في المستهلك فيه ، وأهمّ موارده هو الاستهلاك الناشئ من غلبة المستهلك فيه على المستهلك ، بل هذا هو القدر المتيقّن الذي ينصرف إليه لفظ « الاستهلاك » . وأمّا بالمعنى الأوّل ، فقد تقدّم الكلام عنه إجمالا في عنوان « إتلاف » وسوف يأتي في العنوانين : « ضمان » و « غصب » ونحوهما . وأمّا بالمعنى الثاني ، فقد تقدّم الكلام عنه في عنوان « استحالة » . الفرق بين الاستحالة والاستهلاك : لا إشكال في أنّ هناك فرقا أساسيّا بين الاستحالة والاستهلاك - بالمعنى المقصود - وقد فرّق بعض الفقهاء بينهما بما حاصله : أنّ الاستحالة عبارة عن : تبدّل حقيقة الشيء وصورته النوعيّة « 1 » - وإن كانت المادّة المشتركة باقية - كتبدّل الخشب بالإحراق إلى الرماد ، أو كتبدّل الحيوان بوقوعه في المملحة إلى الملح ، أو كتبدّل القطرة من الدم إلى التراب ، ونحو ذلك . فيقال : كان هذا الرماد خشبا ، وكان هذا الملح كلبا ، وكان هذا التراب دما . وأمّا الاستهلاك ، فهو عبارة عن : انعدام الشيء عرفا ، وإن كان موجودا واقعا ، مثل انعدام القطرة من الدم في إناء كبير من الماء ، فإنّه لا يبقى شيء من الدم بحسب الظاهر حتّى يشار إليه ، وإن كانت أجزاؤه متفرّقة بين أجزاء الماء . ولذلك لو تمكّنا من استخراج هذه القطرة من الماء بآلة أو بمادّة كيمياويّة ، فسوف يكون حكمها النجاسة أيضا ، لأنّ أجزاء نفس الدم السابق اجتمعت وكوّنت هذا الدم . بخلاف ما إذا استحالت القطرة من الدم ترابا ثمّ تمكّنا من استخراج الدم من التراب ، فإنّ هذا الدم ليس هو الدم السابق ، بل هو نوع جديد من الدم ، ولذلك لا تشمله أدلّة نجاسة
--> ( 1 ) التنقيح 1 : 379 ، وانظر مصباح الفقيه 1 : 70 . 1 المراد من الصورة النوعيّة هو ما يصير به الشيء شيئا وتترتّب عليه آثاره الخاصّة به مقابل المادّة المشتركة بين الأشياء المعبّر عنها ب « الهيولى » ، كالصورة الإنسانية ، فإنّ الشيء إنّما يصير إنسانا إذا وجدت فيه الصورة الإنسانيّة - وهو كونه ناطقا مثلا - وترتّبت عليه آثار الإنسانيّة . انظر : الأسفار 2 : 146 ، وشرح المصطلحات الفلسفيّة : « صورة » .