الشيخ محمد علي الأنصاري
407
الموسوعة الفقهية الميسرة
أوّلا - الشافعية : وردت نصوص عديدة عن الإمام الشافعي حول عدم اعتبار الاستحسان ، ويظهر منها أنّه كان من المتشدّدين عليه . فمن تلك النصوص هو قوله : « إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة ليس فيها نصّ خبر ولا قياس : استحسن ، فلا بدّ أن يزعم أنّ جائزا لغيره أن يستحسن خلافه ، فيقول كلّ حاكم في بلد ومفت بما يستحسن ، فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا ، فإن كان هذا جائزا عندهم فقد أهملوا أنفسهم ، فحكموا حيث شاؤوا ، وإن كان ضيقا فلا يجوز أن يدخلوا فيه » « 1 » . وقال : « إنّ حراما على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر » « 2 » . وناقش الغزالي - وهو من الشافعية - أدلّة المثبتين ، وقد تقدّم بعضها ، ومن جملة ما ناقش به الاستحسان بناء على أنّه : « دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعد العبارة عنه ، ولا يقدر على إبرازه وإظهاره » هو قوله : « هذا هوس ، لأنّ ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدرى أنّه وهم وخيال أو تحقيق ؟ ولا بدّ من ظهوره ليعتبر بأدلّة الشريعة لتصحيحه الأدلّة أو تزييفه ، أمّا الحكم بما لا يدرى ما هو فمن أين يعلم جوازه ، أبضرورة العقل ، أو نظره ، أو بسمع متواتر ، أو آحاد ؟ ولا وجه لدعوى شيء من ذلك ، كيف ؟ وقد قال أبو حنيفة : إذا شهد أربعة على زنا شخص ، لكنّ عيّن كلّ واحد منهم زاوية من زوايا البيت ، وقال : زنى فيها ، فالقياس أن لا حدّ عليه ، لكنّا نستحسن حدّه ، فيقال له : لم يستحسن سفك دم مسلم من غير حجّة إذا لم تجتمع شهادة الأربعة على زنا واحد ؟ وغايته أن يقول : تكذيب المسلمين قبيح ، وتصديقهم وهم عدول حسن ، فنصدّقهم ، ونقدّر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا ، بخلاف ما لو شهدوا في أربع بيوت ، فإنّ تقدير التزاحف بعيد ، وهذا هوس . . . » « 1 » . ثانيا - الظاهرية : قال ابن حزم الظاهري : « ومن المحال أن يكون الحقّ فيما استحسنّا دون برهان ؛ لأنّه لو كان ذلك لكان اللّه تعالى يكلّفنا ما لا نطيق ، ولبطلت الحقائق ولتضادّت الدلائل ، وتعارضت البراهين ، ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانا عنه ، وهذا محال ؛ لأنّه لا يجوز أصلا أن يتّفق استحسان العلماء كلّهم على قول واحد . . . ونحن نجد الحنفيّين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون ، ونجد المالكيّين قد استحسنوا قولا قد استقبحه الحنفيّون ، فبطل أن يكون الحقّ في دين اللّه عزّ وجلّ مردودا إلى استحسان بعض الناس ، وإنّما كان يكون هذا - وأعوذ باللّه - لو كان الدين ناقصا ، فأمّا وهو تامّ
--> ( 1 ) كتاب الامّ 7 : 301 ، كتاب الاستحسان . ( 2 ) الموسوعة الفقهية 6 : 43 ، عن الرسالة للشافعي . 1 المستصفى 1 : 281 - 282 .