الشيخ محمد علي الأنصاري
390
الموسوعة الفقهية الميسرة
« الطريق إلى معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها : أوّلها - أن يعلم الشيء ضرورة ؛ لكونه مركوزا في العقول ، كالعلم بأنّ الاثنين أكثر من واحد . . . » « 1 » . وجعل في مكان آخر قبح التكليف بما لا يطاق ممّا هو مركوز في الأذهان أيضا « 2 » . وقال الشهيد بالنسبة إلى النيّة : « . . . إنّها مركوز في جبلّة العقلاء ، حتّى أنّ الإنسان لا يكاد يفعل فعلا خاليا عن القصد والداعي . . . » « 3 » . وقيل : « إنّ العمل على الحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتّى الحيوانات . . . » « 4 » . ومن ذلك قبول خبر الثقة وترجيح الأوثق عند تعارضه مع الثقة ؛ لأنّه مركوز في أذهان الناس « 5 » . 2 - القوّة التشريعية : وربما يحصل الارتكاز على أثر القوّة التشريعية ، ومهما كانت هذه القوّة أكثر نفوذا في القلوب كان الارتكاز أكثر عمقا ودواما ، وأمّا لو كانت قوّة قهرية غير نافذة في القلوب فلا تتحقّق الأرضيّة المناسبة للارتكاز ، بل ربما يسير الناس وفق القوّة القهرية لكن من دون حصول ارتكاز أصلا . قال المحقّق النائيني بالنسبة إلى الطريقة العقلائية ، وهي مبتنية على المرتكزات الذهنيّة : « . . . إنّ مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو : إمّا أن يكون لقهر قاهر وجبر سلطان جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة واتّخذها العقلاء في الزمان المتأخّر طريقة لهم واستمرّت إلى أن صارت من مرتكزاتهم ، وإمّا أن يكون مبدؤها أمر نبيّ من الأنبياء بها في عصر حتّى استمرّت ، وإمّا أن تكون ناشئة من فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها اللّه تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظا للنظام . ولا يخفى بعد الوجه الأوّل ، بل استحالته عادة ، وكذا الوجه الثاني ، فالمتعيّن هو الوجه الثالث . . . » « 1 » . ومقصوده من نفي أن يكون النبيّ سببا للارتكاز إنّما هو بالنسبة للمرتكزات العقلائية لا المرتكزات الشرعية فإنّها لا بدّ من أن تنتهي إلى تشريع الأنبياء - وسوف يأتي مزيد توضيح للفرق بينهما - ولذلك قال السيّد محمّد تقي الحكيم بالنسبة إلى تكوين ارتكاز المتشرّعة : « . . . وتكوين الارتكاز في نفوس الرأي العام لا يحتاج من وجهة نفسيّة إلى أكثر من إمرار فتوى ما في جيلين أو ثلاث على الحرمة مثلا ، ليصبح ارتكازا في نفوس العاملين عليها » « 2 » .
--> ( 1 ) الاقتصاد : 9 . ( 2 ) الاقتصاد : 61 . ( 3 ) روض الجنان : 259 . ( 4 ) فرائد الأصول 2 : 582 . ( 5 ) فرائد الأصول 2 : 779 . 1 فوائد الأصول 3 : 192 - 193 . 2 الأصول العامّة للفقه المقارن : 201 .