الشيخ محمد علي الأنصاري

146

أهل البيت ( ع ) امامتهم حياتهم

ووجه دلالة الحديث على إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام هو : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله بعد أن أخذ الإقرار من المسلمين بأ نّه أولى بهم من أنفسهم طبقاً للآية الشريفة : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِن أَنفُسِهِمْ ) « 1 » ، قال : « من كنت مولاه فعليٌّ مولاه » ، ومعنى هذا الكلام : من كنت أولى به من نفسه ، فعليٌّ أولى به من نفسه . وهذا المقام لا يناسب إلّامقام الخلافة والإمامة . دفع شبهة : ربّما يقال : إنّ هذا الاستدلال إنّما يتمّ بناءً على النصّ الكامل المتضمّن لعبارة : « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ . . . » وأمّا بناءً على النصوص الخالية من ذلك والمقتصرة على عبارة « من كنت مولاه فعليٌّ مولاه » فلا يتمّ الاستدلال ؛ لأنّ « المولى » له معانٍ عديدة ربّما بلغت‌العشرين ، فإن لم يناسب كلّها المقام فإنّ بعضها مناسب له ، مثل : المحبّ والناصر والولي ، فَلِمَ لا يكون المراد من « المولى » في هذا النصّ هو المحبّ أو الناصر ؟ ولا أقلّ من الاشتراك ، وتعيينه يحتاج إلى قرينة ، فما هي القرينة ؟ وللجواب عن ذلك نقول : بعد وضوح استعمال « المولى » بمعنى الولي في اللغة « 2 » ، يندفع احتمال إرادة

--> ( 1 ) الأحزاب : 6 . ( 2 ) جاء استعمال « مولى » بمعنىأولى في موارد كثيرة ، منها : قوله تعالى : مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ ) . الحديد : 15 ، أيالنار أولى بكم . انظر : تفسير الكشّاف 4 : 476 ، وتفسير القرطبي 17 : 248 ، ومجمع البيان ( 9 - 10 ) : 236 . وقوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) . النساء : 33 ، أيجعلنا من هو أولى بالميراث . انظر مجمع البيان ( 3 - 4 ) : 41 . وروي عنه صلى الله عليه وآله قوله : « أيّما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها . . . » ، أيمتولّي أمرها . انظر النهاية ( لابن الأثير ) : « ولى » . - وقول الأخطل : فأصبحت مولاها على الناس كلِّهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا ديوان الأخطل : 107 . وقول لبيد : كلا الفرجين تحسب أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامها يريد : أنّه أولى موضع أن تكون فيه الحرب . انظر الصحاح : « ولي » . وقال الزمخشري : « وَليَ الأمر وتولّاه وهو وليُّهُ ومولاه » . أساس البلاغة : « ولي » . وقال الفرّاء في كتاب معاني القرآن : « الولي والمولى في كلام العرب واحد » . وقال المبرّد : « هو [ أيالمولى ] تأويل الأولى » . وقال ابن الأنباري في مشكل القرآن : « المولى هو الأولى بالشيء » . ولذلك كلّه قال التفتازاني : « المولى قد يراد به المعتِق والمعتَق ، والحليف ، والجار ، وابن العمّ ، والناصر ، والأولى بالتصرّف ، قال اللّه تعالى : مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ ) أيأولى بكم ، ذكره أبو عبيدة ، وقال النبيّ : " أيّما امرأة أنكحت نفسها بغيرإذن مولاها . . . " أيالأولى بها ، والمالك لتدبير أمرها ، ومثله في الشعر كثير . وبالجملة : استعمال المولى بمعنى المتولّي والمالك للأمر والأولى بالتصرّف شائع في كلام العرب ، منقول عن كثير من أئمّة اللغة ، والمراد أنّه اسم لهذا المعنىلا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأ نّه ليس من صيغة اسم التفضيل ، وأنّه لا يستعمل استعماله ، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى ، ليطابق صدر الحديث ؛ ولأ نّه لا وجه للخمسة الأول ، وهو ظاهر ، ولا للسادس ؛ لظهوره وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله » إلى أن قال : « ولا خفاء في أنّ الولايةبالناس ، والتولّي ، والمالكية لتدبير أمرهم ، والتصرّف فيهم ، بمنزلة النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ، وهو معنى الإمامة » . شرح المقاصد 5 : 273 - 274 .