تقرير بحث السيد كمال الحيدري لطلال الحسن

183

من الخلق إلى الحق ( رحلات السالك في أسفاره الأربعة )

يتصرّف في نظام التكوين ، كما جاء ذلك صريحاً في قصّة عرش ملكة سبأ حيث حمله آصف بن برخيا « 1 » من اليمن إلى فلسطين بأقلّ من طرفة عين . وقد سجّل لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ « 2 » ، وقد فعل ذلك وجاء بعرشها إلى سليمان بإذن ربّه ، فسُرَّ سليمان لذلك وشكر نعمة ربّه . فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي 2 . فبواسطة هذا العلم الذي أخذه آصف بن برخيا من الكتاب الذي كان علماً يُسهّل له الوصول إلى هذه البغية استطاع أن يأتي بعرش بلقيس بأقلّ من الفاصلة الزمانية بين النظر إلى الشيء والعلم به ، وبذلك يتّضح لنا أنّ هذا العلم لم يكن من سنخ العلوم الفكرية التي تقبل الاكتساب والتعلّم « 3 » . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : إذا كان من عنده علم من الكتاب قد تمكّن من التصرّف بنظام التكوين فيكف بمن عنده علم الكتاب أي لديه علم الكتاب كلّه لا بعضه ؟ لا شكّ أنّه سوف يكون أقدر وأجدر على هذا الفعل وعلى ما هو أعظم منه . بعبارة أُخرى : إذا كان للعلم ببعض الكتاب مدخلية وعلّية في التصرّف التكويني ، فإنّ هذا المعنى سوف يثبت وبدرجات أوسع لمن

--> ( 1 ) كان وزير سليمان ووصيّه ، انظر : الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 15 ص 396 . ( 2 ) النمل : 40 . ( 3 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 15 ص 397 .