تقرير بحث السيد كمال الحيدري لطلال الحسن
134
من الخلق إلى الحق ( رحلات السالك في أسفاره الأربعة )
ويقابل سفره الأوّل تماماً . إنّها رحلة من الحقّ إلى الخلق ، بعبارة أُخرى : إنّها رحلة العود إلى الخلق وعالم الكثرة ولكنّه عود بطانته الحقّ والحقّانية ، بخلاف ما كان عليه في سيره وسفره الأوّل الذي انطلق فيه حيث كان مستغرقاً في عالم الكثرة . إنّه عود ربّاني حقّاني يؤدّي من خلاله وظيفة إلهية سامية معنونة بالسفارة الربّانية حيث يبدأ رحلة إيصال ما شاهده وعاينه في سفره الثاني إلى الخلق ، فتكون المسؤولية الملقاة على كاهله في سفره الثالث هو تعريف الآخرين ( الخلق ) بما تَعرّف عليه شهوداً وتحقّق فيه وتلبّس به من المعارف الحقّانية . وهذا الإيصال والإخبار والإنباء هو نحوٌ من النبوّة بمعناها اللغوي لا الاصطلاحي ، أي هي ليست نبوّة التشريع وإنّما هي نبوّة الإنباء عن تلك المعارف الإلهية التي اغترف منها وتحقّق فيها في السفر الثاني ، وبهذا الصدد يقول العارف القمشئي : « ويحصل له حظّ من النبوّة ، وليس له نبوّة التشريع » « 1 » ، وأمّا من حيث التشريع فإنّه تابع إلى نبيّ زمانه ، وبذلك ترتفع الشبهة المتُصوّرة في المقام والتي مصدرها كلمات جملة من العُرفاء من قبيل ما هو موجود في كلمات الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ، حيث تصوّر البعض أنّ ابن عربي يدّعي لنفسه مقام النبوّة الاصطلاحية ، مع أنّه لا يُريد أكثر من النبوّة اللغوية التي تعني الإنباء والإخبار وليست هي النبوّة التشريعية الاصطلاحية .
--> ( 1 ) رسالة في تحقيق الأسفار الأربعة للعارف القمشئي ، مصدر سابق : ص 394 .