السيد كمال الحيدري

92

في ظلال العقيده والاخلاق

الشئ وضدّه ، ومهما اكتسب أحد الضدّين ، يمكن زواله عن ذلك الضدّ المكتسب إلى ضدّه ، إلى أن تنقص البنية ويلحقه نوع من الفساد . . . . وأمّا أفلاطون ، فإنّه ينظر في أنواع السياسات ، وأيّها أنفع وأيّها أشدّ ضرراً ، فينظر في أحوال قابلى السياسات وفاعليها ، وأيّها أسهل قبولًا ، وأيّها أعسر ، ولعمرى إنّ من نشأ على خلق من الأخلاق ، واتّفقت له تقويته ، يمكن بها من نفسه على خلق من الأخلاق ، فإنّ زوال ذلك يعسر جدّاً . والعسر غير الممتنع . وليس ينكر أرسطو أنّ بعض الناس يمكن فيه التنقّل من خلق إلى خلق أسهل ، وفى بعضهم أعسر ، على ما صرّح به في كتابه المعروف ب « نيقوماخيا » الصغير ، فإنّه عدّ أسباب عسر التنقّل من خُلق إلى خُلق ، وأسباب السهولة ، كم هي ، وما هي ، وعلى أي جهة كلّ واحد من تلك الأسباب ، وما العلامات ، وما الموانع . فمن تأمّل في تلك الأقاويل حقّ التأمّل ، وأعطى كلّ شئ حقّه ، عرف أن لا خلاف بين الحكيمين في الحقيقة ، وإنّما ذلك شئ يخيّله الظاهر من الأقاويل ، عندما ينظر إلى واحد واحد منها على انفراد ، من غير أن يتأمّل المكان الذي فيه ذلك القول ، ومرتبة العلم الذي هو منه » « 1 » وقد تقدّم سابقاً قول أرسطو « يمكن صيرورة الأشرار أخياراً بالتأديب ، إلّا أنّ هذا ليس كلّياً ، فإنّه ربما أثّر في بعضهم بالزوال ، وفى

--> ( 1 ) كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين ، لأبى نصر الفارابي ، ص 95 .