السيد كمال الحيدري

312

في ظلال العقيده والاخلاق

يتندّم ويقول : ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأُجاهد نفسي في قهرها ، لكنّه تسوّل نفسه ويسوّف توبته مرّة بعد أُخرى ويوماً بعد يوم . فهذه النفس هي التي تسمّى النفس المسوّلة ، وإليها الإشارة بقوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما يتعاطاه مرجوّ ، فعسى الله أن يتوب عليه ، وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره ، فربما يختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيّة ، فإن تداركه الله بفضله وجبر كسره وامتنّ عليه بالتوبة التحق بالسابقين ، وإن غلبته شقوته وقهرته شهوته فيخشى أن يحقّ عليه في الخاتمة ويسلك في سلك الأشقياء . القسم الرابع : أن يتوب ويجرى مدّة على الاستقامة ثمّ يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدّث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسّف على فعله ، بل ينهمك انهماك الغافل في اتّباع الشهوات ، فهذا من جملة المصرّين ، وهذه النفس هي النفس الأمّارة بالسوء الفرّارة من الخير ، ويخاف على هذا سوء الخاتمة وأمره في مشيّة الله ، فإن ختم له بالسوء شقى شقاوة لا آخر لها ، وإن ختم له بالحسنى حتّى مات على التوحيد فينتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين « 2 » .

--> ( 1 ) التوبة : 102 . ( 2 ) ينظر بحث أقسام التائبين ، إحياء علوم الدين ، تصنيف : الإمام أبى حامد محمّد بن محمّد الغزالي : ج 4 ص 43 ، دار المعرفة ، بيروت لبنان .